تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة ، ولأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله فالحد أولى بذلك . المسألة الثامنة : يقام الحد في وقت اعتدال الهواء ، فإن كان في حال شدة حر أو برد نظر إن كان الحد رجما يقام عليه كما يقام في المرض لأن المقصود قتله ، وقيل إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره فيؤخر إلى اعتدال الهواء وزوال المرض الذي يرجى زواله ، لأنه ربما رجع عن إقراره في خلال الرجم وقد أثر الرجم في جسمه فتعين شدة الحر والبرد والمرض على إهلاكه بخلاف ما لو ثبت بالبينة لأنه لا يسقط ، وإن كان الحد جلدا لم يجز إقامته في شدة الحر والبرد كما لا يقام في المرض . أما الرجم ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه اللَّه ، ومالك رحمه اللَّه : يجوز للإمام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر ، وكذا الشهود لا يلزمهم الحضور . وقال أبو حنيفة رحمه اللَّه : إن ثبت الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدءوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس ، وإن ثبت بإقرار بدأ الإمام ثم الناس . حجة الشافعي رحمه اللَّه : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما . المسألة الثانية : إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك ، وقع به بعض الحد أو لم يقع . وبه قال أبو حنيفة رحمه اللَّه والثوري وأحمد وإسحاق ، وقال الحسن وابن أبي ليلى وداود لا يقبل رجوعه ، وعن مالك رحمه اللَّه روايتان . حجة القول الأول : أن ماعزا لما مسته الحجارة وهرب ، فقال عليه السلام : « هلا تركتموه » . المسألة الثالثة : يحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها ، ولا يحفر للرجل ، لما روى أبو سعيد الخدري « أن ماعزا أتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال يا رسول اللَّه إني أصبت فاحشة فأقم علي الحد ، فرده النبي عليه السلام مرارا ، ثم سأل قومه ، فقالوا : لا نعلم به بأسا فأمرنا أن نرجمه ، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فما أوثقناه ولا حفرنا له ، قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف ، قال فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة وانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكن » وجه الاستدلال أنه قال : « فما أوثقناه ولا حفرنا له » ولأنه هرب ، ولو كان في حفرة لما أمكنه ذلك . المسألة الرابعة : إذا مات في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ، فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الآية . أما المباحث العقلية : فاعلم أن من الناس من قال : لا شك أن البدن مركب من أجزاء كثيرة ، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة ، والثاني محال لاستحالة قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين / الأول ، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حيا على حدة وعالما على حدة وقادرا على حدة ، وإذا ثبت هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر ، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر ، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفا نحيفا ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا ، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين : الأول : وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلا على حدة وحيا على حدة وذلك محال ، بل الحياة
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 316 | فخر الدين الرازي