تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
السؤال الرابع : لم قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وهاهنا بالعكس الجواب : سبقت تلك الآية لعقوبتها على جنايتها ، والمرأة هي المادة في الزنا ، وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه هو الراغب والطالب .

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 4 إلى 5 ]

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 )

الحكم الثالث القذف

[ في قوله تعالى
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ
] اعلم أن ظاهر الآية لا يدل على الشيء الذي به رموا المحصنات وذكر الرمي لا يدل على الزنا ، إذ قد يرميها بسرقة وشرب خمر وكفر ، بل لا بد من قرينة دالة على التعيين ، وقد أجمع العلماء على أن المراد الرمي بالزنا وفي الآية أقوال تدل عليه أحدها : تقدم ذكر الزنا وثانيها : أنه تعالى ذكر المحصنات وهن العفائف ، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف وثانيها : قوله :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
يعني على صحة ما رموهن به ، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا ورابعها : انعقاد الإجماع أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا فوجب أن يكون المراد هو الرمي بالزنا ، إذا عرفت هذا فالكلام في هذه الآية يتعلق بالرمي والرامي والمرمي . البحث الأول : في الرمي وفيه مسائل : المسألة الأولى : ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية وتعريض ، فالصريح أن يقول يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك ، ولو قال زنى بدنك فيه وجهان : أحدها : أنه كناية كقوله : زنى يدك ، لأن حقيقة الزنا من الفرج فلا يكون من سائر البدن إلا المعونة والثاني : وهو الأصح أنه صريح ، لأن الفعل إنما يصدر من جملة البدن . والفرج آلة في الفعل . أما الكنايات فمثل أن يقول يا فاسقة ، يا فاجرة ، يا خبيثة ، يا مؤاجرة ، يا ابنة الحرام ، أو امرأتي لا ترد يد لامس ، والعكس فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده ، وكذلك لو قال لعربي يا نبطي ، فهذا لا يكون قذفا إلا أن يريده ، فإن أراد به القذف فهو قذف لأم المقول له وإلا فلا ، فإن قال عنيت به نبطي الدار واللسان ، وادعت أم المقول له أنه أراد القذف ، فالقول قوله مع يمينه . أما التعريض فليس بقذف وإن أراده ، وذلك مثل قوله : يا ابن الحلال ، أما أنا فما زنيت وليست أمي زانية ، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر وابن شبرمة والثوري والحسن بن صالح رحمهم اللَّه . وقال مالك رحمه اللَّه : يجب الحد فيه ، وقال أحمد وإسحاق : هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا ، لنا ، أن التعريض بالقذف محتمل للقذف ولغيره ، فوجب أن لا يجب الحد ، لأن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ، وأيضا فلقوله عليه السلام : « ادرءوا الحدود بالشبهات » ولأن الحدود شرعت على خلاف النص النافي للضرر . الإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الحاصل بالتعريض ، واحتج المخالف بما روى الأوزاعي عن الزهري عن سالم عن ابن عمر
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 320 | فخر الدين الرازي