غيره ، وقد بسطها صاحب الفتح وأجاب عن كل واحد منها ، وقد ذكرنا هنا ما كان
تحتاج منها إلى الجواب وتركنا ما كان ساقطا ، فمن أحب الاستيفاء فليرجع إلى المطولات ،
وقد اختلف القائلون بأن المراد بالتفرق تفرق الأبدان هل له حد ينتهي إليه أم لا ؟
والمشهور الراجح من مذاهب العلماء على ما ذكره الحافظ أن ذلك موكول إلى العرف ،
فكل ما عد في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا قوله : فإن صدقا وبينا أي صدق
البائع في إخبار المشتري وبين العيب إن كان في السلعة وصدق المشتري في قدر الثمن
وبين العيب إن كان في الثمن ، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد ، وذكر
أحدهما تأكيدا للآخر . قوله : محقت بركة بيعهما يحتمل أن يكون على ظاهره ، وأن
شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته وإن كان مأجورا والكاذب
مأزورا ، ويحتمل أن يكون ذلك مختصا بمن وقع منه التدليس بالعيب دون الآخر ،
ورجحه ابن أبي حمزة . قوله : أو يقول أحدهما لصاحبه اختر وربما قال : أو يكون
بيع الخيار ، قد اختلف العلماء في المراد بقوله إلا بيع الخيار ، فقال الجمهور : هو استثناء
من امتداد الخيار إلى التفرق ، والمراد أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق
فقد لزم البيع حينئذ وبطل اعتبار التفرق ، فالتقدير إلا البيع الذي جرى فيه التخاير ،
وقيل : هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق ، والمراد بقوله : أو يخير أحدهما الآخر
أي فيشترط الخيا مدة معينة ، فلا ينقضي الخيار بالتفرق بل يبقى حتى تمضي المدة ،
حكاه ابن عبد البر عن أبي ثور ورجح الأول بأنه أقل في الاضمار ، ولا يخفى أن قوله
في هذا الحديث : فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع معين للاحتمال
الأول ، وكذلك قوله في الرواية الأخرى : فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب ، وفي رواية
للنسائي : إلا أن يكون البيع كان عن خيار ، فإن كان البيع عن خيار وجب البيع ، وقيل : هو
استثناء من إثبات خيار المجلس ، والمعنى : أو خير أحدهما الآخر فيختار عدم ثبوت
خيار المجلس فينتفي الخيار ، قال الفتح : وهذا أضعف هذه الاحتمالات ، وقيل : المراد بذلك
أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق ، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار
ولو بعد التفرق . قال في الفتح : وهو قول يجمع التأويلين الأولين ، ويؤيده ما وقع
في رواية للبخاري بلفظ : إلا بيع الخيار أو يقول لصاحبه : اختر إن حملت ، أو على
التقسيم لا على الشك . قوله : أو يخير بإسكان الراء عطفا على قوله : ما لم يتفرقا ويحتمل
نيل الأوطار — صفحة 293
مساهمون: الشوكاني
ص٢٩٣