تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
التكذيب لمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل ، فعاد اللّه عليهم بالتعذيب على أيدي العرب فجرى على بني النضير وقريظة وبني قينقاع ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء ، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية لا ملك لهم ولا سلطان . ثم قال تعالى :
وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
والحصير فعيل فيحتمل أن يكون بمعنى الفاعل ، أي وجعلنا جهنم حاصرة لهم ، ويحتمل أن يكون بمعنى مفعول ، أي جعلناها موضعا محصورا لهم ، والمعنى أن عذاب الدنيا وإن كان شديدا قويا إلا أنه قد يتفلت بعض الناس عنه ، والذي يقع في ذلك العذاب يتخلص عنه ، إما بالموت وإما بطريق آخر ، وأما عذاب الآخرة فإنه يكون حاصرا للإنسان محيطا به لا رجاء في الخلاص عنه ، فهؤلاء الأقوام لهم من عذاب الدنيا ما وصفناه ويكون لهم بعد ذلك من عذاب الآخرة ما يكون محيطا بهم من جميع الجهات ولا يتخلصون منه أبدا .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 9 إلى 10 ]

إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ( 9 ) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 10 ) اعلم أنه تعالى لما شرح ما فعله في حق عباده المخلصين وهو الإسراء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإيتاء الكتاب لموسى عليه الصلاة والسلام ، وما فعله في حق العصاة والمتمردين وهو تسليط أنواع البلاء عليهم ، كان ذلك تنبيها على أن طاعة اللّه توجب كل خير وكرامة ومعصيته توجب كل بلية وغرامة ، لا جرم أثنى على القرآن فقال :
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
. واعلم أن قوله تعالى :
دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
[ الأنعام : 161 ] يدل على كون هذا الدين مستقيما ، وقوله في هذه الآية :
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
يدل على أن هذا الدين أقوم من سائر الأديان . وأقول : قولنا هذا الشيء أقوم من ذاك ، إنما يصح في شيئين يشتركان في معنى الاستقامة ، ثم كان حصول معنى الاستقامة في إحدى الصورتين أكثر وأكمل من حصوله في الصورة الثانية ، وهذا محال لأن المراد من كونه مستقيما كونه حقا وصدقا ، ودخول التفاوت في كون الشيء حقا وصدقا محال ، فكان وصفه بأنه أقوم مجازا ، إلا أن لفظ الأفعل قد جاء بمعنى الفاعل كقولنا : اللّه أكبر أي اللّه كبير ، وقولنا : الأشج والناقص أعدلا بني مروان ، أي : عادلا بني مروان ، أو يحمل هذا اللفظ على الظاهر المتعارف . واللّه أعلم . البحث الثاني : قوله :
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
نعت لموصوف محذوف ، والتقدير : يهدي للملة أو الشريعة أو الطريقة التي هي أقوم الملل والشرائع والطرق ، ومثل هذه الكناية كثيرة الاستعمال في القرآن كقوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ *
[ فصلت : 34 ] أي بالخصلة التي هي أحسن . أما قوله :
وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
فاعلم أنه تعالى وصف القرآن بثلاثة أنواع من الصفات : الصفة الأولى : أنه يهدي للتي هي أقوم ، وقد مر تفسيره . والصفة الثانية : أنه يبشر الذين يعملون الصالحات بالأجر الكبير ، وذلك لأن الصفة الأولى لما دلت على كون القرآن هاديا إلى الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، وجب أن يظهر لهذا الصواب والصلاح أثر ، وذلك هو
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 303 | فخر الدين الرازي