تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
اليهود بسبب هؤلاء ملك من الروم يقال له : / قسطنطين الملك ، واللّه أعلم بأحوالهم ، ولا يتعلق غرض من أغراض تفسير القرآن بمعرفة أعيان هؤلاء الأقوام . المسألة الثانية : جواب قوله :
فَإِذا جاءَ
محذوف تقديره : فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوؤا وجوهكم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة ما تقدم عليه من قوله :
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا
[ الإسراء : 5 ] ثم قال :
لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : ساءه يسوءه أي أحزنه ، وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه ، لأن آثار الأعراض النفسانية الحاصلة في القلب إنما تظهر على الوجه ، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النضرة والإشراق والإسفار في الوجه وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسواد في الوجه ، فلهذا السبب عزيت الإساءة إلى الوجوه في هذه الآية ، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن . المسألة الثانية : قرأ العامة : ليسوؤا على صيغة المغايبة ، قال الواحدي : وهي موافقة للمعنى وللفظ . أما المعنى فهو أن المبعوثين هم الذين يسوؤنهم في الحقيقة ، لأنهم هم الذين يقتلون ويأسرون وأما اللفظ فلأنه يوافق قوله :
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ
وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة : ليسوء على إسناد الفعل إلى الواحد ، وذلك الواحد يحتمل أن يكون أحد أشياء ثلاثة : إما اسم اللّه سبحانه لأن الذي تقدم هو قوله :
ثُمَّ رَدَدْنا
. . .
وَأَمْدَدْناكُمْ
[ الإسراء : 6 ] ، وكل ذلك ضمير عائد إلى اللّه تعالى ، وإما أن يكون ذلك الواحد هو البعث ودل عليه قوله :
بَعَثْنا
والفعل المتقدم يدل على المصدر كقوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ
[ آل عمران : 180 ] وقال الزجاج : ليسوء الوعد وجوهكم ، وقرأ الكسائي بالنون وهذا على إسناد الفعل إلى اللّه تعالى كقوله :
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ
أَمْدَدْناكُمْ
. ثم قال تعالى :
وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً
يقال : تبر الشيء تبرا إذا هلك وتبره أهلكه . قال الزجاج : كل شيء جعلته مكسرا ومفتتا فقد تبرته ، ومنه قيل : تبر الزجاج وتبر الذهب لمكسره ، ومنه قوله تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 139 ] وقوله :
وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً
[ نوح : 28 ] وقوله :
ما عَلَوْا
يحتمل ما غلبوا عليه وظفروا به ، ويحتمل ويتبروا ما داموا غالبين ، أي ما دام سلطانهم جاريا على بني إسرائيل ، وقوله :
تَتْبِيراً
ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه كقوله :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] أي حقا ، والمعنى : وليدمروا ويخربوا ما غلبوا عليه . ثم قال تعالى :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ
والمعنى : لعل ربكم أن يرحمكم ويعفو عنكم بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل . ثم قال :
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
يعني : أن بعثنا عليكم من بعثنا ، ففعلوا بكم ما فعلوا عقوبة لكم وعظة لتنتفعوا به وتنزجروا به عن ارتكاب المعاصي ، ثم رحمكم فأزال هذا العذاب عنكم ، فإن عدتم مرة أخرى إلى المعصية عدنا إلى صب البلاء عليكم في الدنيا مرة أخرى . قال القفال : إنما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا لقوله تعالى في سورة الأعراف خبرا عن بني إسرائيل :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ
[ الأعراف : 167 ] ثم قال :
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا
أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي وهو