الأجر الكبير لأن الطريق الأقوم لا بد وأن يفيد الربح الأكبر والنفع الأعظم .
والصفة الثالثة : قوله :
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
وذلك لأن الاعتقاد الأصوب والعمل الأصلح ، كما يوجب لفاعله النفع الأكمل الأعظم ، فكذلك تركه يوجب لتاركه الضرر الأعظم الأكمل .
واعلم أن قوله :
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
عطف على قوله :
أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً
والمعنى أنه تعالى بشر المؤمنين بنوعين من البشارة بثوابهم وبعقاب أعدائهم ، ونظيره قوله : بشرت زيدا أنه سيعطى وبأن عدوه سيمنع .
فإن قيل : كيف يليق لفظ البشارة بالعذاب ؟
قلنا : مذكور على سبيل التهكم ، أو يقال : إنه من باب إطلاق اسم الضدين على الآخر ، كقوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[ الشورى : 40 ] .
فإن قيل : هذه الآية واردة في شرح أحوال اليهود وهم ما كانوا ينكرون الإيمان بالآخرة ، فكيف يليق بهذا الموضع قوله :
وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
.
قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن أكثر اليهود ينكرون الثواب والعقاب الجسمانيين ، والثاني : أن بعضهم قال :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
[ آل عمران : 24 ] فهم في هذا القول صاروا كالمنكرين للآخرة ، واللّه أعلم .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 11 ]
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً ( 11 )
[ في قوله تعالى
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
] وفي الآية مباحث :
البحث الأول : اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل اللّه عليه القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة ، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع إلى بياناته ، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال :
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ
.
البحث الثاني : اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال :
القول الأول : المراد منه : النضر بن الحرث حيث قال :
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
[ الأنفال : 32 ] فأجاب اللّه دعاءه وضربت رقبته ، فكان بعضهم يقول :
ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ
[ العنكبوت : 29 ] .
وآخرون يقولون :
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ *
[ يونس : 48 ] . وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمدا كاذب فيما يقول .
والقول الثاني : المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله ، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك .
وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرا فأقبل يئن بالليل فقالت له : ما لك تئن ؟ فشكى ألم القدّ فأرخت له من كتافه ، فلما نامت أخرج يده وهرب ، فلما أصبح النبي عليه الصلاة والسلام دعا به فأعلم بشأنه ، فقال عليه الصلاة والسلام : « اللهم اقطع يدها » فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع اللّه يدها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إني سألت اللّه أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذابا من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون ، فلترد سودة يدها » .