تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
واعلم أنه لا يتعلق كثير غرض في معرفة أولئك الأقوام بأعيانهم ، بل المقصود هو أنهم لما أكثروا من المعاصي سلط عليهم أقواما قتلوهم وأفنوهم . ثم قال تعالى :
فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ
قال الليث : الجوس والجوسان التردد خلال الديار ، والبيوت في الفساد ، والخلال هو الانفراج بين الشيئين ، والديار ديار بيت المقدس ، واختلفت عبارات المفسرين في تفسير جاسوا فعن ابن عباس فتشوا وقال أبو عبيدة : طلبوا من فيها . وقال ابن قتيبة : عاثوا وأفسدوا . وقال الزجاج : طافوا خلال الديار هل بقي أحد لم يقتلوه . قال الواحدي : الجوس هو التردد والطلب وذلك محتمل لكل ما قالوه . ثم قال تعالى :
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا
أي كان قضاء اللّه بذلك قضاء جزما حتما لا يقبل النقض والنسخ ، ثم قال تعالى :
ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ
أي أهلكنا أعداءكم ورددنا الدولة والقوة عليكم .
وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً
النفير العدد من الرجال وأصله من نفر مع الرجل من عشيرته وقومه ، والنفير والنافر واحد ، كالقدير والقادر ، وذكرنا معنى نفر عند قوله :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
[ التوبة : 122 ] وقوله :
انْفِرُوا خِفافاً
[ التوبة : 41 ] . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في مسألة القضاء والقدر من وجوه : الأول : أنه تعالى قال :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً
وهذا القضاء أقل احتمالاته الحكم الجزم ، والخبر الحتم ، فثبت أنه تعالى أخبر عنهم أنهم سيقدمون على الفساد والمعاصي خبرا جزما لا يقبل النسخ ، لأن القضاء معناه الحكم الجزم على ما شرحناه . ثم إنه تعالى أكد ذلك القضاء مزيد تأكيد فقال :
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا
. إذا ثبت هذا فنقول : عدم وقوع ذلك الفساد عنهم يستلزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذبا وانقلاب حكمه الجازم باطلا ، وانقلاب علمه الحق جهلا ، وكل ذلك محال ، فكان عدم إقدامهم على ذلك الفساد محالا ، فكان إقدامهم عليه واجبا ضروريا لا يقبل النسخ والرفع ، مع أنهم كلفوا بتركه ولعنوا على فعله ، وذلك يدل على قولنا : إن اللّه قد يأمر بشيء ويصد عنه وقد ينهى عن شيء ويقضي بتحصيله ، فهذا أحد وجوه الاستدلال بهذه الآية . الوجه الثاني : في الاستدلال بهذه الآية قوله تعالى :
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
والمراد أولئك الذين تسلطوا على بني إسرائيل بالقتل والنهب والأسر ، فبين تعالى أنه هو الذي بعثهم على بني إسرائيل ، ولا شك أن قتل بني إسرائيل ونهب أموالهم وأسر أولادهم كان مشتملا على الظلم الكثير والمعاصي العظيمة . ثم إنه تعالى أضاف كل ذلك إلى نفسه بقوله :
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ
وذلك يدل على أن الخير والشر والطاعة والمعصية من اللّه تعالى . أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : المراد من
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ
هو أنه تعالى أمر أولئك الأقوام بغزو بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الفساد ، فأضيف ذلك الفعل إلى اللّه تعالى من حيث الأمر . والثاني : أن يكون المراد خلينا بينهم وبين بني إسرائيل ، وما ألقينا الخوف من بني إسرائيل في قلوبهم . وحاصل الكلام أن المراد من هذا البعث التخلية وعدم المنع .