تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة . والقول الثالث : في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى :
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ
[ فصلت : 30 ] وأما البشرى في الآخرة فسلام . الملائكة عليهم كما قال تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ
[ الرعد : 23 ، 24 ] وسلام اللَّه عليهم كما قال :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] ويندرج في هذا الباب ما ذكره اللَّه في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات . والقول الرابع : إن ذلك عبارة عما بشر اللَّه عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه ودليله قوله :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
[ التوبة : 21 ] . واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله :
وَفِي الْآخِرَةِ
ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء اللَّه وشرح أحوالهم / قال تعالى :
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء ونظيره قوله :
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
[ ق : 29 ] وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد اللَّه بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله :
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
ثم بين تعالى أن :
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وهو كقوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً
[ الإنسان : 20 ] ثم قال القاضي : قوله :
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديما ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم اللَّه تعالى لا يكون قديما وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 65 إلى 66 ]

وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 ) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 66 ) [ في قوله تعالى
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ
] اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها اللَّه تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب اللَّه عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، واللَّه سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله :
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
. واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثرا في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سببا لحزنه ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ يونس : 62 ] فكذلك أزال حزن
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 278 | فخر الدين الرازي