الدنيا بقوله :
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
فإذا كان اللَّه تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف .
فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟
قلنا : إن اللَّه تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت .
وأما قوله تعالى :
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
ففيه أبحاث :
البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون :
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب « الكشاف » : وقرأ أبو حيوة أن العزة بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل .
البحث الثاني : فائدة
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ
في هذا المقام أمور : الأول : المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي للَّه تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه اللَّه تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء ، ومثله قوله تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
[ المجادلة : 21 ]
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا
[ غافر : 51 ] الثاني : قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها للَّه تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك .
فإن قيل : قوله :
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
كالمضادة لقوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] .
قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها باللَّه فهي للَّه .
أما قوله :
هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك .
وأما قوله :
أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
ففيه وجهان : الأول : أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة
أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ يونس : 55 ] وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك للَّه تعالى وملك له ، وأما هاهنا فكلمة ( من ) مختصة بمن يعقل ، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك اللَّه وملكه فيكون مجموع الآيتين دالا على أن الكل ملكه وملكه . والثاني : أن المراد
مَنْ فِي السَّماواتِ
العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن / هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحا في جعل الأصنام شركاء للَّه تعالى .
ثم قال تعالى :
وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
وفي كلمة ( ما ) قولان :
الأول : أنه نفي وجحد ، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك اللَّه تعالى إنما اتبعوا شيئا ظنوه شريكا للَّه تعالى . ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيدا في الدار وما كان فيها ، فخاطب إنسانا في الدار ظنه زيدا فإنه لا يقال : إنه خاطب زيدا