البعوضة ، فقال المريد : كيف تليق هذه الحالة بما قبلها ؟ فقال الشيخ : إنا إنما تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي ، فلما غاب ذلك الوارد فأنا أضعف خلق اللَّه تعالى .
المسألة الثانية : قال أكثر المحققين : إن أهل الثواب لا يحصل لهم خوف في محفل القيامة واحتجوا على صحة قولهم بقوله تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
وبقوله تعالى :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ
[ الأنبياء : 103 ] وأيضا فالقيامة دار الجزاء فلا يليق به إيصال الخوف ومنهم من قال : بل يحصل فيه أنواع من الخوف ، وذكروا فيه أخبارا تدل عليه إلا أن ظاهر القرآن أولى من خبر الواحد .
وأما قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
ففيه ثلاثة أوجه : الأول : النصب بكونه صفة للأولياء . والثاني :
النصب على المدح . والثالث : الرفع على الابتداء وخبره لهم البشرى .
وأما قوله تعالى :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
ففيه أقوال : الأول : المراد منه الرؤيا الصالحة ،
عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم : أنه قال : « البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له »
و
عنه عليه الصلاة والسلام : « ذهبت النبوة وبقيت المبشرات »
و
عنه عليه الصلاة والسلام : « الرؤيا الصالحة من اللَّه ، والحلم من الشيطان ، فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليتعوذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرات فإنه لا يضره »
و
عنه صلى اللَّه عليه وسلم : « الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة »
وعن ابن مسعود ، والرؤيا ثلاثة : الهم يهم به الرجل من النهار فيراه في الليل ، وحضور الشيطان ، والرؤيا التي هي الرؤيا الصادقة . وعن إبراهيم الرؤيا ثلاثة ، فالمبشرة من اللَّه جزء من سبعين جزءا من النبوة والشيء يهم به أحدكم بالنهار فلعله يراه بالليل والتخويف من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم ما يحزنه فليقل أعوذ بما عاذت به ملائكة اللَّه من شر رؤياي التي رأيتها أن تضرني في دنياي أو في آخرتي .
واعلم أنا إذا حملنا قوله :
لَهُمُ الْبُشْرى
على الرؤيا الصادقة فظاهر هذا النص يقتضي أن لا تحصل هذه الحالة إلا لهم والعقل أيضا يدل عليه ، وذلك لأن ولي اللَّه هو الذي يكون مستغرق القلب / والروح بذكر اللَّه ، ومن كان كذلك فهو عند النوم لا يبقى في روحه إلا معرفة اللَّه ، ومن المعلوم أن معرفة اللَّه ونور جلال اللَّه لا يفيده إلا الحق والصدق ، وأما من يكون متوزع الفكر على أحوال هذا العالم الكدر المظلم ، فإنه إذا نام يبقى كذلك ، فلا جرم لا اعتماد على رؤياه ، فلهذا السبب قال :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
على سبيل الحصر والتخصيص .
القول الثاني : في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن
عن أبي ذر قال ؟ قلت : يا رسول اللَّه إن الرجل يعمل العمل للَّه ويحبه الناس فقال : « تلك عاجل بشرى المؤمن » .
واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة اللَّه ، مستغرق اللسان بذكر اللَّه ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية اللَّه ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضا فنور معرفة اللَّه مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدوما بالطبع ألا