تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
بعد قعرها أنه لا آخر لعذابها ، والخالد : الدائم ، والخزي قد يكون بمعنى الندم وبمعنى الاستحياء ، والندم هنا أولى . لقوله تعالى :
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ *
[ يونس : 54 ] .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 64 ]

يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ( 64 ) واعلم أنهم كانوا يسمون سورة براءة ، الحافرة حفرت عما في قلوب المنافقين قال الحسن : اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين على أمر من النفاق ، فأخبر جبريل الرسول عليه الصلاة والسلام بأسمائهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : « إن أناسا اجتمعوا على كيت وكيت ، فليقوموا وليعترفوا وليستغفروا ربهم حتى أشفع لهم » فلم يقوموا ، فقال عليه الصلاة والسلام بعد ذلك : « قم يا فلان ويا فلان » حتى أتى عليهم ثم قالوا : نعترف ونستغفر فقال : « الآن أنا كنت في أول الأمر أطيب نفسا بالشفاعة ، واللّه كان أسرع في الإجابة ، اخرجوا عني اخرجوا عني » فلم يزل يقول حتى خرجوا بالكلية ، و قال الأصم : إن عند رجوع الرسول عليه الصلاة والسلام من تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلا ليفتكوا به فأخبره جبريل ، وكانوا متلثمين في ليلة مظلمة وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم ، فأمر حذيفة بذلك فضربها حتى نحاهم ، ثم قال : « من عرفت من القوم » فقال : / لم أعرف منهم أحدا ، فذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أسماءهم وعدهم له ، وقال : « إن جبريل أخبرني بذلك » فقال حذيفة : ألا تبعث إليهم ليقتلوا ، فقال : « أكره أن تقول العرب قاتل محمد بأصحابه حتى إذا ظفر صار يقتلهم بل يكفينا اللّه ذلك » . فإن قيل : المنافق كافر فكيف يحذر نزول الوحي على الرسول ؟ قلنا : فيه وجوه : الأول : قال أبو مسلم : هذا حذر أظهره المنافقون على وجه الاستهزاء حين رأوا الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر كل شيء ويدعي أنه عن الوحي ، وكان المنافقون يكذبون بذلك فيما بينهم ، فأخبر اللّه رسوله بذلك وأمره أن يعلمهم أنه يظهر سرهم الذي حذروا ظهوره ، وفي قوله :
اسْتَهْزِؤُا
دلالة على ما قلناه . الثاني : أن القوم وإن كانوا كافرين بدين الرسول إلا أنهم شاهدوا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يخبرهم بما يضمرونه ويكتمونه ، فلهذه التجربة وقع الحذر والخوف في قلوبهم . الثالث : قال الأصم : أنهم كانوا يعرفون كونه رسولا صادقا من عند اللّه تعالى ، إلا أنهم كفروا به حسدا وعنادا . قال القاضي : يبعد في العالم باللّه وبرسوله وصحة دينه أن يكون محادا لهما . قال الداعي إلى اللّه : هذا غير بعيد لأن الحسد إذا قوي في القلب صار بحيث ينازع في المحسوسات ، الرابع : معنى الحذر الأمر بالحذر ، أي ليحذر المنافقون ذلك . الخامس : أنهم كانوا شاكين في صحة نبوته وما كانوا قاطعين بفسادها . والشاك خائف ، فلهذا السبب خافوا أن ينزل عليه في أمرهم ما يفضحهم ، ثم قال صاحب « الكشاف » : الضمير في قوله :
عَلَيْهِمْ
و
تُنَبِّئُهُمْ
للمؤمنين ، وفي قوله :
فِي قُلُوبِهِمْ
للمنافقين ويجوز أيضا أن تكون الضمائر كلها للمنافقين ، لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم ، ومعنى
تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ
أن السورة كأنها تقول لهم في قلوبهم كيت وكيت ، يعني أنها تذيع أسرارهم إذاعة ظاهرة فكأنها تخبرهم . ثم قال :
قُلِ اسْتَهْزِؤُا
وهو أمر تهديد كقوله :
وَقُلِ اعْمَلُوا
[ التوبة : 105 ]
إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 93 | فخر الدين الرازي