ثم بلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك فقال بعضهم : إنما محمد أذن ولو لقيته وحلفت له ليصدقنك ، فنزلت هذه الآية على وفق قوله . فقال القائل : يا رسول اللّه لم أسلم قط قبل اليوم ، وإن هذا الغلام لعظيم الثمن علي واللّه لأشكرنه ثم قال الأصم : أظهر اللّه تعالى عن المنافقين وجوه كفرهم التي كانوا يسرونها لتكون حجة للرسول ولينزجروا . فقال :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ
.
ثم قال :
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ
ثم قال :
وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ
إلى غير ذلك من الأخبار عن الغيوب ، وفي كل ذلك دلائل على كونه نبيا حقا من عند اللّه .
المسألة الثالثة : اعلم أنه تعالى حكى أن من المنافقين من يؤذي النبي ، ثم فسر ذلك الإيذاء بأنهم يقولون للنبي أنه أذن ، وغرضهم منه أنه ليس له ذكاء ولا بعد غور ، بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع ، فلهذا السبب سموه بأنه أذن ، كما أن الجاسوس يسمى بالعين يقال : جعل فلان علينا عينا ، أي جاسوسا متفحصا عن الأمور ، فكذا هاهنا .
ثم إنه تعالى أجاب عنه بقوله
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
والتقدير : هب أنه أذن لكنه خير لكم وقوله :
أُذُنُ خَيْرٍ
مثل ما يقال فلان رجل صدق وشاهد عدل ، ثم بين كونه
أُذُنُ خَيْرٍ
بقوله :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
جعل تعالى هذه الثلاثة كالموجبة لكونه عليه الصلاة والسلام
أُذُنُ خَيْرٍ
فلنبين كيفية اقتضاء هذه المعاني لتلك الخيرية .
أما الأول : وهو قوله :
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
فلأن كل من آمن باللّه خائفا من اللّه ، والخائف من اللّه لا يقدم على الإيذاء بالباطل .
وأما الثاني : وهو قوله :
وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
فالمعنى أنه يسلم للمؤمنين قولهم والمعنى أنهم إذا توافقوا على قول واحد ، سلم لهم ذلك القول ، وهذا ينافي كونه سليم القلب سريع الاغترار .
فإن قيل : لم عدى الإيمان إلى اللّه بالباء وإلى المؤمنين باللام ؟
قلنا : لأن الإيمان المعدى إلى اللّه المراد منه التصديق الذي هو نقيض الكفر ، فعدى بالباء ، والإيمان المعدى إلى المؤمنين معناه الاستماع منهم والتسليم لقولهم فيتعدى باللام ، كما في قوله :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا
[ يوسف : 17 ] وقوله :
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ
[ يونس : 83 ] وقوله :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
[ الشعراء : 111 ] وقوله :
آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ *
[ الشعراء : 49 ] .
وأما الثالث : وهو قوله :
وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
فهذا أيضا يوجب الخيرية لأنه يجري أمركم على الظاهر ، ولا يبالغ في التفتيش عن بواطنكم ، ولا يسعى في هتك أستاركم ، فثبت أن كل واحد من هذه الأوصاف الثلاثة يوجب كونه
أُذُنُ خَيْرٍ
ولما بين كونه سببا للخير والرحمة بين أن كل من آذاه استوجب العذاب الأليم ، لأنه إذا كان يسعى في إيصال الخير والرحمة إليهم مع كونهم في غاية الخبث والخزي ، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة وخيراته بالشرور ، فلا شك أنهم يستحقون العذاب الشديد من اللّه تعالى .
المسألة الرابعة : أما قراءة من قرأ
أُذُنُ خَيْرٍ
بالتنوين في الكلمتين ففيه وجوه :
الوجه الأول : التقدير قل أذن واعية سامعة للحق خير لكم من هذا الطعن الفاسد الذي تذكرون ، ثم ذكر