تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
المسألة الثانية : أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستهزئون باللّه وآياته ورسوله ، ومعلوم أن الاستهزاء باللّه محال . فلا بد له من تأويل وفيه وجوه : الأول : المراد بالاستهزاء باللّه هو الاستهزاء بتكاليف اللّه تعالى . الثاني : يحتمل أن يكون المراد الاستهزاء بذكر اللّه ، فإن أسماء اللّه قد يستهزئ الكافر بها كما أن المؤمن يعظمها ويمجدها . قال تعالى :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
[ الأعلى : 1 ] فأمر المؤمن بتعظيم اسم اللّه . وقال :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
[ الأعراف : 180 ] فلا يمتنع أن يقال : أباللّه ويراد : أبذكر اللّه . الثالث : لعل المنافقين لما قالوا : كيف يقدر محمد على أخذ حصون الشأم وقصورها . قال بعض المسلمين : اللّه يعينه على ذلك وينصره عليهم ، ثم إن بعض الجهال من المنافقين ذكر كلاما مشعرا بالقدح في قدرة اللّه كما هو عادات الجهال والملحدة ، فكان المراد ذلك . وأما قوله :
وَآياتِهِ
فالمراد بها القرآن ، وسائر ما يدل على الدين . وقوله :
وَرَسُولِهِ
معلوم ، وذلك يدل على أن القوم إنما ذكروا ما ذكروه على سبيل الاستهزاء . ثم قال تعالى :
لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : نقل الواحدي عن أهل اللغة في لفظ الاعتذار قولين : القول الأول : أنه عبارة عن محو الذنب من قولهم : اعتذرت المنازل إذا درست . يقال : مررت بمنزل معتذر ، والاعتذار هو الدرس وأخذ الاعتذار منه . لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه . والقول الثاني : حكى ابن الأعرابي أن الاعتذار هو القطع ، ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تقطع ، وعذرة الجارية سميت عذرة لأنها تعذر أي تقطع ، ويقال اعتذرت المياه إذا انقطعت ، فالعذر لما كان سببا لقطع اللوم سمي عذرا ، قال الواحدي : والقولان متقاربان ، لأن محو أثر الذنب وقطع اللوم يتقاربان . المسألة الثانية : أنه تعالى بين أن ذلك الاستهزاء كان كفرا ، والعقل يقتضي أن الإقدام على / الكفر لأجل اللعب غير جائز ، فثبت أن قولهم
إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
ما كان عذرا حقيقيا في الإقدام على ذلك الاستهزاء ، فلما لم يكن ذلك عذرا في نفسه نهاهم اللّه عن أن يعتذروا به لأن المنع عن الكلام الباطل واجب . فقال :
لا تَعْتَذِرُوا
أي لا تذكروا هذا العذر في دفع هذا الجرم . المسألة الثالثة : قوله :
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ
يدل على أحكام . الحكم الأول أن الاستهزاء بالدين كيف كان كفرا باللّه . وذلك لأن الاستهزاء يدل على الاستخفاف والعمدة الكبرى في الإيمان تعظيم اللّه تعالى بأقصى الإمكان والجمع بينهما محال . الحكم الثاني : أنه يدل على بطلان قول من يقول ، الكفر لا يدخل إلا في أفعال القلوب .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 95 | فخر الدين الرازي