تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
القول الثاني : في تفسير الطائر قال أبو عبيدة :
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
اى حظهم . وهو ما روى عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أنه قال : انما طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم والعرب تقول : اطرت المال وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه . اي حصل له ذلك السهم . واعلم أن على كلا القولين المعنى : ان كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء اللّه تعالى وبتقديره
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
ان الكل من اللّه تعالى وذلك لان أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب لمحسوسة ويقطعونها عن قضاء اللّه تعالى وتقديره والحق ان الكل من اللّه لان كل موجود فهو اما واجب الوجود لذاته أو ممكن لذاته والواجب واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد الا بإيجاد الواجب لذته وبهذا الطريق يكون الكل من اللّه فاسنادها إلى غير اللّه يكون جهلا بكمال اللّه تعالى .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 132 إلى 133 ]

وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى انهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء اللّه تعالى وقدره فحكى عنهم في هذه الآية نوعا آخر من أنواع الجهالة والضلالة ، وهو انهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم . وقالوا لموسى : انا لا نقبل شيئا منها البتة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في كلمة
مَهْما
قولان : الأول : ان أصلها « ماما » الأولى هي « ما » الجزاء والثانية هي التي تزاد توكيدا للجزاء كما تزاد في سائر حروف الجزاء كقولهم : اما ومما وكيفما قال اللّه تعالى :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ
[ الأنفال : 59 ] وهو كقولك : ان تثقفنهم ثم أبدلوا من ألف « ما » الأولى « ها » كراهة / لتكرار اللفظ فصار « مهما » هذا قول الخليل والبصريين . والثاني : وهو قول الكسائي الأصل « مه » التي بمعنى الكف اي اكفف دخلت على « ما » التي للجزاء كأنهم قالوا اكفف ما تأتنا به من آية فهو كذا وكذا . المسألة الثانية : قال ابن عباس : ان القوم لما قالوا لموسى : مهما أتيتنا بآية من ربك فهي عندنا من باب السحر ، ونحن لا نؤمن بها البتة وكان موسى عليه السلام رجلا حديدا فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب اللّه له فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلا ونهارا سبتا إلى سبت ، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسا ولا قمرا ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال : اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرا واحدا فان كشفت هذا العذاب آمنا بك فأزال اللّه عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط . فقالوا : هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر . فلا واللّه لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد فأرسل اللّه عليهم الجراد فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعا فأكلت النبات فصرخ أهل مصر فدعا موسى عليه السلام فأرسل اللّه تعالى ريحا فاحتملت الجراد فألقته في البحر فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم . فقالوا : هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 345 | فخر الدين الرازي