تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
الشديد فوعدوا موسى عليه السلام على دعائه بكشف العذاب عنهم الايمان به والتخلية عن بني إسرائيل وارسالهم معه يذهب بهم اين شاء . وقوله :
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ
المعنى انا ما أزلنا عنهم العذاب مطلقا وما كشفنا عنهم الرجز في جميع الوقائع بل انما أزلنا عنهم العذاب إلى أجل معين وعند ذلك الأجل لا نزيل عنهم العذاب بل نهلكهم به وقوله :
إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ
هو جواب لما يعني فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث وبادروه ولم يؤخروه كما كشفنا عنهم نكثوا .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 136 ]

فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 136 ) واعلم أن المعنى انه تعالى لما كشف عنهم العذاب من قبل مرات وكرات ولم يمتنعوا عن كفرهم وجهلهم ثم بلغوا الأجل المؤقت انتقم منهم بان أهلكهم بالغرق والانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب واليم البحر قال صاحب « الكشاف » : اليم البحر الذي لا يدرك قعره وقيل : هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لان المستقين به يقصدونه وبين تعالى بقوله :
بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا
ان ذلك الانتقام هو لذلك التكذيب . وقوله :
وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ
اختلفوا في الكناية في عنها فقيل إنها عائدة إلى النقمة التي دل عليها قوله :
فَانْتَقَمْنا
والمعنى وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين وقيل الكناية عائدة إلى الآيات وهو اختيار الزجاج . قال : لأنهم كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم . فان قيل : الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة . قلنا : المراد بالغفلة هنا الاعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها فهم اعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها . فان قيل : أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة ؟ فكيف يكون الانتقام لهذين دون غير هما . قلنا : ليس في الآية بيان انه تعالى انتقم منهم لهذين معا دلالة على نفى ما عداه والآية تدل على أن الواجب في الآيات النظر فيها ولذلك ذمهم بان غفلوا عنها وذلك يدل على أن التقليد طريق مذموم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 137 ]

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ( 137 ) اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله :
عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ
[ الأعراف : 129 ] فههنا لما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات وهو انه تعالى أورثهم ارضهم وديارهم فقال :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا
والمراد من ذلك الاستضعاف انه كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها ، فبعضهم حمله على مشارق ارض الشام . ومصر ومغاربها لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه اللّه وأيضا قوله :
الَّتِي بارَكْنا فِيها
المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق الا بأرض الشام .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 348 | فخر الدين الرازي