تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
إذا عرفت هذا فنقول : قال المفسرون :
أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ
يريد الجوع والقحط عاما بعد عام فالسنون لأهل البوادي
وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ
لأهل القرى . ثم قال تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
وفيه مسألتان : المسألة الأولى : ظاهر الآية انه تعالى انما انزل عليهم هذه المضار لأجل ان يرجعوا عن طريقة التمرد والعناد إلى الانقياد والعبودية وذلك لان أحوال الشدة ترقق القلب وترغب فيما عند اللّه والدليل عليه قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 67 ] وقوله :
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
[ فصلت : 51 ] . المسألة الثانية : قال القاضي : هذه الآية تدل على أنه تعالى فعل ذلك إرادة منه ان يتذكروا لا ان يقيموا على ما هم عليه من الكفر . أجاب الواحدي عنه : بأنه قد جاء لفظ الابتلاء والاختبار في القرآن لا بمعنى انه تعالى يمتحنهم لان ذلك على اللّه تعالى محال بل بمعنى انه تعالى عاملهم معاملة تشبه الابتلاء والامتحان فكذا هاهنا . واللّه اعلم . ثم بين تعالى انهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال :
فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ
قال ابن عباس : يريد بالحسنة العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة و
قالُوا لَنا هذِهِ
اي نحن مستحقون على العادة التي جرت من كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا ولم يعلموا انه من اللّه فيشكروه عليه ويقوموا بحق النعمة فيه . وقوله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يريد القحط والجدب والمرض والضر والبلاء
يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
اي يتشاءموا به . ويقولوا انما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين وقوله :
يَطَّيَّرُوا
هو في الأصل يتطيروا أدغمت التاء في الطاء لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله :
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
في الطائر قولان : القول الأول : قال ابن عباس : يريد شؤمهم عند اللّه تعالى اي من قبل اللّه اى انما جاءهم الشر بقضاء اللّه وحكمه فالطائر هاهنا الشؤم . ومثله قوله تعالى في قصة ثمود :
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
قال الفراء : وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالمدينة فقالوا غلت أسعارنا وقلت امطارنا مذ أتانا قال الأزهري : وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة لان العرب كان من شانها عيافة الطير وزجرها والتطير ببارحها ونعيق غربانها وأخذها ذات اليسار إذا اثاروها فسموا الشؤم طيرا وطائرا وطيرة لتشاؤمهم بها . ثم اعلم اللّه تعالى على لسان رسوله ان طيرتهم باطلة فقال : ( لا طيرة ولا هام ) وكان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يتفاءل ولا يتطير . وأصل الفال الكلمة الحسنة وكانت العرب مذهبها في الفال والطيرة واحد فاثبت النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الفال وأبطل الطيرة قال محمد الرازي رحمه اللّه : / ولا بد من ذكر فرق بين البابين . والأقرب ان يقال : ان الأرواح الانسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية . فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير وحركات البهائم فان أرواحها ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال .