تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
رهطه وشيعته وذلك بان نقتل أبناء بني إسرائيل ونستحيى نساءهم ثم بين انه قادر على ذلك بقوله :
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
والمقصود منه ترك موسى وقومه لا من عجز وخوف ولو أراد به البطش لقدر عليه كأنه يوهم قومه انه انما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته اليه ولعدم خوفه منه . واختلف المفسرون فمنهم من قال : كان يفعل ذلك كما فعله ابتداء عند ولادة موسى ومنهم من قال بل منع منه واتفق المفسرون على أن هذا التهديد وقع في غير الزمان الأول ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه :
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا
وهذا يدل على أن الذي قاله الملا لفرعون والذي قال فرعون لهم قد عرفه موسى عليه السلام ووصل اليه فعند ذلك قال لقومه
اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
فههنا أمرهم بشيئين وبشرهم بشيئين . اما الذان امر موسى عليه السلام بهما ؛ فالأول : الاستعانة باللّه تعالى . والثاني : الصبر على بلاء اللّه وانما أمرهم أولا بالاستعانة باللّه وذلك لان من عرف انه لا مدبر في العالم الا اللّه تعالى انشرح صدره بنور معرفة اللّه تعالى وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء ولأنه يرى عند نزول البلاء انه انما حصل بقضاء تعالى وتقديره . واستعداده بمشاهدة قضاء اللّه خفف عليه أنواع البلاء واما الذان بشر بهما ؛ فالأول : قوله :
إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
وهذا أطماع من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم اللّه تعالى ارض فرعون بعد إهلاكه وذلك معنى الإرث وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف . والثاني : قوله :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
فقيل : المراد امر الآخرة فقط وقيل : المراد امر الدنيا فقط وهو : الفتح والظفر والنصر على الأعداء وقيل المراد مجموع الأمرين وقوله :
لِلْمُتَّقِينَ
إشارة إلى أن كل من اتقى اللّه تعالى وخافه فاللّه يعينه في الدنيا والآخرة .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 129 ]

قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 ) اعلم أن قوم موسى عليه السلام لما سمعوا ما ذكره فرعون من التهديد والوعيد خافوا وفزعوا وقالوا قد أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا وذلك لان بني إسرائيل كانوا قبل / مجيء موسى عليه السلام مستضعفين في يد فرعون اللعين فكان يأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيى نساءهم فلما بعث اللّه تعالى موسى عليه السلام قوي رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب فلما سمعوا ان فرعون أعاد التهديد مرة ثانية عظم خوفهم وحزنهم فقالوا هذا الكلام . فان قيل : أليس هذا القول يدل على أنهم كرهوا مجيء موسى عليه السلام وذلك يوجب كفرهم ؟ والجواب : ان موسى عليه السلام لما جاء وعدهم بزوال تلك المضار فظنوا أنها تزول على الفور . فلما رأوا انها ما زالت رجعوا اليه في معرفة كيفية ذلك الوعد فبين موسى عليه السلام ان الوعد بإزالتها لا يوجب الوعد بإزالتها في الحال وبين لهم انه تعالى سينجز لهم ذلك الوعد في الوقت الذي قدره له والحاصل ان هذا ما كان بنفرة عن مجيء موسى عليه السلام بالرسالة بل استكشافا لكيفية ذلك الوعد . واللّه اعلم . واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك قال موسى عليه السلام :
عَسى رَبُّكُمْ
قال سيبويه : ( عسى ) طمع واشفاق . قال الزجاج : وما يطمع اللّه تعالى فيه فهو واجب .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 342 | فخر الدين الرازي