يعرفوا ذلك فحملوه على اخذه وحبسه . وقوله :
لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
اي يفسدوا على الناس دينهم الذي كانوا عليه وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك .
اما قوله :
وَيَذَرَكَ
فالقراءة المشهورة فيه
وَيَذَرَكَ
بالنصب . وذكر صاحب « الكشاف » : فيه ثلاثة أوجه : أحدها : ان يكون قوله :
وَيَذَرَكَ
عطفا على قوله :
لِيُفْسِدُوا
لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤديا إلى تركه وترك آلهته فكأنه تركهم لذلك . وثانيها : انه جواب للاستفهام بالواو وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة :
ا لم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودة والإخاء ؟
والتقدير : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك . قال الزجاج : والمعنى / أيكون منك ان تذر موسى وان يذرك موسى ؟ وثالثها : النصب بإضمار ان تقديره : أتذر موسى وقومه ليفسدوا وان يذرك وآلهتك ؟ قال صاحب « الكشاف » : وقرئ
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
بالرفع عطفا على
أَ تَذَرُ
بمعنى أتذره ويذرك ؟
اى انطلق له وذلك يكون مستأنفا أو حالا على معنى أتذره هو يذرك وإلهتك ؟ وقرا الحسن ويذرك بالجزم وقرا انس ونذرك بالنون والنصب اى يصرفنا عن عبادتك فنذرها .
واما قوله :
وَآلِهَتَكَ
قال أبو بكر الأنباري : كان ابن عمر ينكر قراءة العامة ويقرا إلاهتك اي عبادتك ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد قال ابن عباس : اما قراءة العامة
وَآلِهَتَكَ
فالمراد جمع اله وعلى هذا التقدير : فقد اختلفوا فيه . فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها . وقال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
ورب هذه الأصنام فذلك قوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
وقال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام .
وأقول : الذي يخطر ببالي ان فرعون ان قلنا : انه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة اللّه تعالى إرسال الرسول اليه وان كان عاقلا لم يجز ان يعتقد في نفسه كونه خالقا للسموات والأرض ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء ان يعتقدوا فيه ذلك لان فساده معلوم بضرورة العقل . بل الأقرب ان يقال إنه كان دهريا ينكر وجود الصانع وكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب واما المجدي في هذا العلم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه فقوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
اي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم . وقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
[ القصص : 38 ] اي لا اعلم لكم أحدا يجب عليكم عبادته الا انا وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد ان يقال إنه كان قد اتخذ أصناما على صور الكواكب ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب وعلى هذا التقدير : فلا امتناع في حمل قوله تعالى :
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
على ظاهره فهذا ما عندي في هذا الباب . واللّه اعلم .
واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل فرعون على أخذ موسى عليه السلام وحبسه وإنزال أنواع العذاب به فعند هذا لم يذكر فرعون ما هو حقيقة الحال وهو كونه خائفا من موسى عليه السلام . ولكنه قال :
سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرا نافع وابن كثير
سَنُقَتِّلُ
بفتح النون والتخفيف والباقون بضم النون والتشديد على التكثير . يعني أبناء بني إسرائيل ومن آمن بموسى عليه السلام .
المسألة الثانية : ان موسى عليه السلام انما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل