تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
كل من اعطى غيره شيئا فهو انما يعطي لطلب عوض وهو اما الثناء في الدنيا أو الثواب في الآخرة أو دفع الرقة الجنسية عن القلب وهو تعالى يعطي لا لغرض أصلا فكان تعالى هو الرحيم الكريم فثبت بهذه البراهين اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ
بمعنى انه لا غني ولا رحيم الا هو فإذا ثبت انه غني عن الكل ثبت انه لا يستكمل بطاعات المطيعين ولا ينتقص بمعاصي المذنبين وإذا ثبت انه ذو الرحمة ثبت انه ما رتب العذاب على الذنوب ولا الثواب على الطاعات الا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والإحسان كما قال في آية أخرى :
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
[ الإسراء : 7 ] فهذا البيان الاجمالي كاف في هذا الباب . واما تفصيل تلك الحالة وشرحها على البيان التام فمما لا يليق بهذا الموضع . المسألة الثانية : اما المعتزلة فقالوا : هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلا منزها عن فعل القبيح وعلى كونه رحيما محسنا بعباده . اما المطلوب الأول فقال : تقريره انه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنه وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح . اما المقدمة الأولى فتقريرها انما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة : أولها : ان في الحوادث / ما يكون قبيحا نحو : الظلم والسفه والكذب والغيبة : وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها . وثانيها : كونه تعالى عالما بالمعلومات واليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية :
وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
[ الانعام : 132 ] وثالثها : كونه تعالى غنيا عن الحاجات واليه الإشارة بقوله :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ
وإذا ثبت مجموع هذه المقدمات الثلاثة ثبت انه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنيا عنها فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلا لها لان المقدم على فعل القبيح انما يقدم عليه اما لجهله بكونه قبيحا واما لاحتياجه فإذا كان عالما بالكل امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح وإذا كان غنيا عن الكل امتنع كونه محتاجا إلى فعل القبائح وذلك يدل على أنه تعالى منزه عن فعل القبائح متعال عنها فحينئذ يقطع بأنه لا يظلم أحدا فلما كلف عبيده الأفعال الشاقة وجب ان يثيبهم عليها ولما رتب العقاب والعذاب على فعل المعاصي وجب ان يكون عادلا فيها فبهذا الطريق ثبت كونه تعالى عادلا في الكل . فان قال قائل : هب ان بهذا الطريق انتفى الظلم عنه تعالى فما الفائدة في التكليف ؟ فالجواب : ان التكليف احسان ورحمة على ما هو مقرر في « كتب الكلام » فقوله :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ
إشارة إلى المقام الأول وقوله :
ذُو الرَّحْمَةِ
إشارة إلى المقام الثاني فهذا تقرير الدلائل التي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية على صحة قولهم . واعلم يا أخي ان الكل لا يحاولون الا التقديس والتعظيم وسمعت الشيخ الامام الوالد ضياء الدين عمر بن الحسين رحمه اللّه قال : سمعت الشيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري يقول : نظر أهل السنة على تعظيم اللّه في جانب القدرة ونفاذ المشيئة ونظر المعتزلة على تعظيم اللّه في جانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي فإذا تأملت علمت أن أحدا لم يصف اللّه الا بالتعظيم والإجلال والتقديس والتنزيه ولكن منهم من أخطأ ومنهم من أصاب ورجاء الكل متعلق بهذه الكلمة وهي قوله :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ
.