تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
كان قبيحا وذنبا قبل بعثة الرسل وذلك هو المطلوب وان كان الثاني فذلك يقتضي ان يكون هذا الفعل قبيحا من اللّه تعالى وذلك لا يتم الا مع الاعتراف بتحسين العقل وتقبيحه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 132 ]

وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 132 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرا ابن عامر وحده تعلمون بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلاما كليا فقال :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
وفي الآية قولان : القول الأول : ان قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
عام في المطيع والعاصي والتقدير : ولكل عامل عمل فله في عمله درجات فتارة يكون في درجة ناقصة وتارة يترقى منها إلى درجة كاملة وانه تعالى عالم بها على التفصيل التام فرتب على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء ان خيرا فخير وان شرا فشر . والقول الثاني : ان قوله :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
مختص باهل الطاعة لان لفظ الدرجة لا يليق الا بهم . وقوله : وما ربك بغافل عما تعملون مختص باهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول . المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل أيضا على صحة قولنا في مسالة الجبر والقدر وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ واشهد عليه زمر الملائكة المقربين فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم ولصار ذلك العلم جهلا ولصار ذلك الاشهاد كذبا وكل ذلك محال فثبت ان لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون وإذا كان الأمر كذلك فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 133 إلى 134 ]

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 134 ) [ وربك الغني ذو الرحمة ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات وعقاب أصحاب المعاصي والمحرمات وذكر ان لكل قوم درجة مخصوصة ومرتبة معينة بين ان تخصيص المطيعين بالثواب والمذنبين بالعذاب ليس لأجل انه محتاج إلى طاعة المطيعين أو ينتقص بمعصية المذنبين فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين ومع كونه غنيا فان رحمته عامة كاملة ولا سبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشرية والنفوس الانسانية وإيصالها إلى درجات السعداء الأبرار الا بترتيب الترغيب في الطاعات والترهيب عن المحظورات فقال :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 153 | فخر الدين الرازي