تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ
ومن رحمته على الخلق ترتيب الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية فنفتقر هاهنا إلى بيان أمرين : الأول : إلى بيان كونه تعالى غنيا فنقول : انه تعالى غني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه لأنه لو كان محتاجا لكان مستكملا بذلك الفعل والمستكمل بغيره ناقص بذاته وهو على اللّه محال وأيضا فكل إيجاب أو سلب يفرض فإن كان ذاته كافية في تحققه وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السلب بدوام ذاته وان لم تكن كافية فحينئذ يتوقف حصول تلك الحالة وعدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه فذاته لا تنفك عن ذلك الثبوت والعدم وهما موقوفان على وجود ذلك السبب المنفصل وعدمه والموقوف على الموقوف على الشيء موقوف على ذلك الشيء فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير والموقوف على الغير ممكن لذاته فالواجب لذاته ممكن لذاته وهو محال فثبت انه تعالى غني على الإطلاق . واعلم أن قوله :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ
يفيد الحصر معناه : انه لا غني الا هو والأمر كذلك لان واجب الوجود لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته محتاج فثبت انه لا غني الا هو فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله سبحانه :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ
واما اثبات انه :
ذُو الرَّحْمَةِ
فالدليل عليه انه لا شك في وجود خيرات وسعادات ولذات وراحات اما بحسب الأحوال الجسمانية واما بحسب الأحوال الروحانية فثبت بالبرهان الذي ذكرناه ان كل ما سواه فهو ممكن لذاته وانما يدخل في الوجود بإيجاده وتكوينيه وتخليقه فثبت ان كل ما دخل في الوجود من الخيرات والراحات والكرامات والسعادات فهو من الحق سبحانه وبإيجاده وتكوينه ثم إن الاستقراء دل على أن الخير غالب على الشر فان المريض وان كان كثيرا فالصحيح أكثر منه والجائع وان كان كثيرا فالشبعان أكثر منه والأعمى وان كان كثيرا الا ان البصير أكثر منه فثبت انه لا بد من الاعتراف بحصول الرحمة والراحة وثبت ان الخير أغلب من الشر والألم والآفة وثبت ان مبدأ تلك الراحات والخيرات بأسرها هو اللّه تعالى فثبت بهذا البرهان انه تعالى هو :
ذُو الرَّحْمَةِ
. واعلم أن قوله :
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ
يفيد الحصر فان معناه : انه لا رحمة الا منه والأمر كذلك لان الموجود اما واجب لذاته أو ممكن لذاته والواجب لذاته واحد فكل ما سواه فهو منه والرحمة داخلة فيما سواه فثبت انه لا رحمة الا من الحق فثبت بهذا البرهان صحة هذا الحصر فثبت انه لا غني الا هو فثبت انه لا رحيم الا هو . فان قال قائل : فكيف يمكننا انكار رحمة الوالدين على الولد والمولى على عبده وكذلك سائر أنواع الرحمة ؟ فالجواب : ان كلها عند التحقيق من اللّه ويدل عليه وجوه : الأول : لولا انه تعالى القى في قلب هذا الرحيم داعية الرحمة لما اقدم على الرحمة فلما كان موجد تلك الداعية هو اللّه كان الرحيم هو اللّه الا ترى ان الإنسان قد يكون شديد الغضب على انسان قاسي القلب عليه ثم ينقلب رؤوفا رحيما عطوفا فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية ليس الا بانقلاب تلك الدواعي فثبت ان مقلب القلوب هو اللّه تعالى بالبرهان قطعا للتسلسل وبالقرآن وهو قوله :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ
[ الانعام : 110 ] فثبت انه لا رحمة الا من اللّه . والثاني : هب ان ذلك الرحيم اعطى الطعام والثواب والذهب ولكن لا صحة للمزاج والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء والا فكيف الانتفاع ؟ فالذي اعطى صحة المزاج والقدرة والمكنة هو الرحيم في الحقيقة . والثالث : ان