واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ورود الشرع فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق والعقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 131 ]
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 )
اعلم أنه تعالى لما بين انه ما عذب الكفار الا بعد ان بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية ان هذا هو العدل والحق والواجب وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : قوله :
ذلِكَ
إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف والتقدير : الأمر ذلك .
واما قوله :
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ
ففيه وجوه : أحدها : انه تعليل والمعنى : / الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم وكلمة « ان » هاهنا هي التي تنصب الافعال وثانيها : يجوز أن تكون مخففة من الثقلية والمعنى لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم . وثالثها : ان يجعل قوله :
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ
بدلا من قوله :
ذلِكَ
كقوله :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
[ الحجر :
66 ] .
واما قوله :
بِظُلْمٍ
ففيه وجهان : الأول : ان يكون المعنى وما كان ربك مهلك القرى بسبب ظلم اقدموا عليه . الثاني : ان يكون المراد وما كان ربك مهلك القرى ظلما عليهم وهو كقوله :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
[ هود : 117 ] في سورة هود . فعلى الوجه الأول يكون الظلم فعلا للكفار وعلى الثاني يكون عائدا إلى فعل اللّه تعالى والوجه الأول أليق بقولنا لان القول الثاني يوهم انه تعالى لو أهلكهم قبل بعثة الرسل كان ظالما وليس الأمر عندنا كذلك لأنه تعالى يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد ولا اعتراض عليه لاحد في شيء من أفعاله . واما المعتزلة : فهذا القول الثاني مطابق لمذهبهم موافق لمعتقدهم . واما أصحابنا فمن فسر الآية بهذا الوجه الثاني قال : انه تعالى لو فعل ذلك لم يكن ظالما لكنه يكون في صورة الظالم فيما بينا فوصف بكونه ظالما مجازا وتمام الكلام في هذين القولين مذكور في سورة هود عند قوله :
بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
.
واما قوله :
وَأَهْلُها غافِلُونَ
فليس المراد من هذه الغفلة ان يتغافل المرء عما يوعظ به بل معناها ان لا يبين اللّه لهم كيفية الحال ولا ان يزيل عذرهم وعلتهم .
واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في اثبات انه لا يحصل الوجوب قبل الشرع وان العقل المحض لا يدل على الوجوب البتة . قالوا : لأنها تدل على أنه تعالى لا يعذب أحدا على امر من الأمور الا بعد البعثة للرسول . والمعتزلة قالوا : انها تدل من وجه آخر على أن الوجوب قد يتقرر قبل مجيء الشرع لأنه تعالى قال :
أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ
فهذا الظلم اما ان يكون عائدا إلى العبد أو إلى اللّه تعالى فإن كان الأول فهذا يدل على إمكان ان يصدر منه الظلم قبل البعثة وانما يكون الفعل ظلما قبل البعثة لو