تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
النوع الثالث : من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله :
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ
والولي معناه القريب فقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
يدل على قربهم من اللّه تعالى وقوله :
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ
يدل على قرب اللّه منهم ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة وأيضا فقوله :
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ
يفيد الحصر اي لا ولي لهم الا هو وكيف وهذا التشريف انما حصل على التوحيد المذكور في قوله :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية ان المدبر والمقدر ليس الا هو وان النافع والضار ليس الا هو وان المسعد والمشقي ليس الا هو وانه لا مبدئ للكائنات والممكنات الا هو فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه فما كان رجوعهم الا اليه وما كان توكلهم الا عليه وما كان انسهم الا به / وما كان خضوعهم الا له فلما صاروا بالكلية لا جرم قال تعالى :
وَهُوَ وَلِيُّهُمْ
وهذا اخبار بأنه تعالى متكفل بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ويدخل فيها الحفظ والحراسة والمعونة والنصرة وإيصال الخيرات ودفع الآفات والبليات . ثم قال تعالى :
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
وانما ذكر ذلك لئلا ينقطع المرء عن العمل فان العمل لا بد منه وتحقيق القول فيه : ان بين النفس والبدن تعلقا شديدا فكما ان الهيئات النفسانية قد تنزل من النفس إلى البدن مثل ما إذا تصور امرا مغضبا ظهر الأثر عليه في البدن وفيسخن البدن ويحمى فكذلك الهيئات البدنية قد تصعد من البدن إلى النفس فإذا واظب الإنسان على اعمال البر والخير ظهر الآثار المناسبة لها في جوهر النفس وذلك يدل على أن السالك لا بد له من العمل وانه لا سبيل له إلى تركه البتة .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 128 ]

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ( 128 ) [ في قوله تعالى
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ
] اعلم أنه تعالى لما بين حال من يتمسك بالصراط المستقيم بين بعده حال من يكون بالضد من ذلك لتكون قصة أهل الجنة مردفة بقصة أهل النار وليكون الوعيد مذكورا بعد الوعد وفيه مسائل : المسألة الأولى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
منصوب بمحذوف أي واذكر يوم نحشرهم أو يوم نحشرهم قلنا يا معشر الجن أو يوم نحشرهم وقلنا يا معشر الجن كان ما لا يوصف لفظاعته . المسألة الثانية : الضمير في قوله :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ
إلى ما ذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : يعود إلى المعلوم لا إلى المذكور وهو الثقلان وجميع المكلفين الذين علم أن اللّه يبعثهم . والثاني : انه عائد إلى الشياطين الذين تقدم ذكرهم في قوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
[ الانعام : 112 ] . المسألة الثالثة : في الآية محذوف والتقدير : يوم نحشرهم جميعا فنقول : يا معشر الجن فيكون هذا القائل هو اللّه تعالى كما أنه الحاشر لجميعهم وهذا القول منه تعالى بعد الحشر لا يكون الا تبكيتا وبيانا لجهة انهم وان تمردوا في الدنيا فينتهي حالهم في الآخرة إلى الاستسلام والانقياد والاعتراف بالجرم . وقال الزجاج : التقدير فيقال لهم يا معشر الجن لأنه يبعد ان يتكلم اللّه تعالى بنفسه مع الكفار بدليل قوله تعالى في صفة
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 147 | فخر الدين الرازي