فثبت ان الجواب الذي استخرجه أبو الحسين بلطيف فكره ودقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف وظهر ان خصماء اللّه هم المعتزلة لا أصحابنا واللّه اعلم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 126 ]
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 126 )
[ في قوله تعالى
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً
] في الآية مسائل :
المسألة الأولى : قوله :
وَهذا
إشارة إلى مذكور تقدم ذكره وفيه قولان : الأول : وهو الأقوى عندي انه إشارة إلى ما ذكره وقرره في الآية المتقدمة وهو ان الفعل يتوقف على الداعي وحصول تلك الداعية من اللّه تعالى فوجب كون الفعل من اللّه تعالى وذلك يوجب التوحيد المحض وهو كونه تعالى مبدئا لجميع الكائنات والممكنات وانما سماه صراطا لان العلم به يؤدي إلى العلم بالتوحيد الحق وانما وصفه بكونه مستقيما لان قول المعتزلة غير مستقيم وذلك لان رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر اما ان يتوقف على المرجح أو لا يتوقف فان توقف على المرجح لزم ان يقال الفعل لا يصدر عن القادر الا عند انضمام الداعي اليه وحينئذ يتم قولنا ويكون الكل بقضاء اللّه وقدره ويبطل قول المعتزلة واما ان لا يتوقف رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر على مرجح وجب ان يحصل هذا الاستغناء في كل الممكنات والمحدثات وحينئذ يلزم نفي الصنع والصانع وابطال القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر فاما القول بان هذا الرجحان يحتاج إلى المؤثر في بعض الصور دون البعض كما يقوله هؤلاء المعتزلة فهو معوج غير مستقيم انما المستقيم هو الحكم بثبوت الحاجة على الإطلاق وذلك يوجب عين مذهبنا فهذا القول هو المختار عندي في تفسير هذه الآية .
القول الثاني : ان قوله :
وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً
إشارة إلى كل ما سبق ذكره في كل القرآن قال ابن عباس : يريد هذا الذي أنت عليه يا محمد دين ربك مستقيما وقال ابن مسعود يعني القرآن والقول الأول أولى لان عود الإشارة إلى أقرب المذكورات أولى .
وإذا ثبت هذا فنقول : لما امر اللّه تعالى بمتابعة ما في الآية المتقدمة وجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى إذا ذكر شيئا وبالغ في الأمر بالتمسك به والرجوع اليه والتعويل عليه وجب ان يكون من المحكمات فثبت ان الآية المتقدمة من المحكمات وانه يجب اجراؤها / على ظاهرها ويحرم التصرف فيها بالتأويل .
المسألة الثانية : قال الواحدي : انتصب مستقيما على الحال والعامل فيه معنى « هذا » وذلك لان « ذا » يتضمن معنى الإشارة كقولك : هذا زيد قائما معناه أشير اليه في حال قيامه وإذا كان العامل في الحال معنى الفعل لا الفعل لم يجز تقديم الحال عليه لا يجوز قائما هذا زيد ويجوز ضاحكا جاء زيد .
اما قوله :
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
.
فنقول : اما تفضيل الآيات فمعناه ذكرها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر واللّه تعالى قد بين صحة القول بالقضاء والقدر في آيات كثيرة من هذه السورة متوالية متعاقبة بطرق كثيرة ووجوه مختلفة .
واما قوله :
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
فالذي أظنه والعلم عند اللّه انه تعالى انما جعل مقطع هذه الآية هذه اللفظة لأنه تقرر في عقل كل واحد ان أحد طرفي الممكن لا يترجح على الآخر الا لمرجح فكأنه تعالى يقول للمعتزلي : أيها