الكفار :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[ البقرة : 174 ] .
اما قوله تعالى :
قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
فنقول : هذا لا بد فيه من التأويل لان الجن لا يقدرون على الاستكثار من نفس الانس لان القادر على الجسم وعلى الأحياء والفعل ليس الا اللّه تعالى فوجب ان يكون المراد قد استكثرتم من الدعاء إلى الضلال مع مصادفة القبول .
اما قوله :
وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ
فالأقرب ان فيه حذفا فكما قال للجن تبكيتا فكذلك قال للانس توبيخا لأنه حصل من الجن الدعاء ومن الانس القبول والمشاركة حاصلة بين الفريقين فلما بكت تعالى كلا الفريقين حكى هاهنا جواب الانس وهو قولهم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فوصفوا أنفسهم بالتوفر على منافع الدنيا والاستمتاع بلذاتها إلى أن بلغوا هذا المبلغ الذي عنده أيقنوا بسوء عاقبتهم . ثم هاهنا قولان :
الأول : ان قولهم استمتع بعضنا ببعض المراد منه انه استمتع الجن بالانس والانس بالجن وعلى هذا القول ففي المراد بذلك الاستمتاع قولان :
القول الأول : ان معنى هذا الاستمتاع هو ان الرجل كان إذا سافر فأمسى بأرض قفر وخاف على نفسه قال : أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فيبيت آمنا في نفسه فهذا استمتاع الانس بالجن واما استمتاع الجن بالانس فهو ان الانسي إذا عاذ بالجني كان ذلك تعظيما منهم للجن وذلك الجني يقول : قد سدت الجن والانس لان الانسي قد اعترف له بأنه يقدر ان يدفع عنه وهذا قول الحسن وعكرمة والكلبي وابن جريج واحتجوا على صحته بقوله تعالى :
وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ
[ الجن : 6 ] .
والوجه الثاني : في تفسير هذا الاستمتاع ان الانس كانوا يطيعون الجن وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء والانس كالاتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير ولا شك ان هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم فهذا استمتاع الجن بالانس . واما استمتاع الانس بالجن فهو ان الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم وهذا القول اختيار الزجاج قال : وهذا أولى من الوجه المتقدم والدليل عليه قوله تعالى :
قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
ومن كان يقول من الانس أعوذ بسيد هذا الوادي قليل .
والقول الثاني : ان قوله تعالى :
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ
هو كلام الانس خاصة لان استمتاع الجن بالانس وبالعكس امر قليل نادر لا يكاد يظهر اما استمتاع بعض الانس ببعض فهو امر ظاهر فوجب حمل الكلام عليه وأيضا قوله تعالى :
وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ
كلام الانس الذين هم أولياء الجن فوجب ان يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض .
ثم قال تعالى حكاية عنهم :
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
فالمعنى : ان ذلك الاستمتاع كان حاصلا إلى أجل معين ووقت محدود ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا تنفع واختلفوا في أن ذلك الأجل اي الأوقات ؟ فقال بعضهم : هو وقت الموت . وقال آخرون : هو وقت التخلية والتمكين . وقال قوم : المراد وقت المحاسبة في القيامة والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت باجله لأنهم أقروا انا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا وفيهم المقتول وغير المقتول .