كفر علمت مني ذلك فلم راعيت مصلحته وما راعيت مصلحتي ؟ قال الراوي : فلما وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجبائي . فلما نظر رأى أبا الحسن فعلم أن هذه المسألة منه لا من العجوز ثم إن أبا الحسين البصري جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجبائي فأراد ان يجيب عن هذا السؤال فقال : نحن لا نرضى في حق هؤلاء الاخوة الثلاثة بهذا الجواب الذي ذكرتم بل لنا هاهنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم ثم قال : وهو مبني على مسالة اختلف شيوخنا فيها وهي انه هل يجب على اللّه ان يكلف العبد أم لا ؟ فقال البصريون :
التكليف محض التفضل والإحسان وهو غير واجب على اللّه تعالى . وقال البغداديون : انه واجب / على اللّه تعالى . قال : فان فرعنا على قول البصريين فللّه تعالى ان يقول لذلك الصبي اني طولت عمر الأخ الزاهد وكلفته على سبيل التفضل ولم يلزم من كوني متفضلا على أخيك الزاهد بهذا الفضل ان أكون متفضلا عليك بمثله واما ان فرعنا على قول البغداديين فالجواب ان يقال : ان إطالة عمر أخيك وتوجيه التكليف عليه كان إحسانا في حقه ولم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير فلا جرم فعلته واما إطالة عمرك وتوجيه التكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك فلهذا السبب ما فعلت ذلك في حقك فظهر الفرق . هذا تلخيص كلام أبي الحسن البصري سعيا منه في تخليص شيخه المتقدم عن سؤال الأشعري بل سعيا منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد وأقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين صحة هذه المناظرة الدقيقة بين العبد وبين اللّه انما لزمت على قول المعتزلة واما على قول أصحابنا رحمهم اللّه فلا مناظرة البتة بين العبد وبين الرب وليس للعبد ان يقول لربه لم فعلت كذا ؟ أو ما فعلت كذا فثبت ان خصماء اللّه هم المعتزلة لا أهل السنة وذلك يقوي غرضنا ويحصل مقصودنا ثم نقول :
اما الجواب الأول : وهو ان إطالة العمر وتوجيه التكليف تفضل فيجوز ان يخص به بعضا دون بعض فنقول : هذا الكلام مدفوع لأنه تعالى لما أو صل التفضل إلى أحدهما فالامتناع من إيصاله إلى الثاني قبيح من اللّه تعالى لان الإيصال إلى هذا الثاني ليس فعلا شاقا على اللّه تعالى ولا يوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوجوه وهذا الثاني يحتاج إلى ذلك التفضل ومثل هذا الامتناع قبيح في الشاهد الا ترى ان من منع غيره من النظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامة الناس قبح ذلك منه لأنه منع من النفع من غير اندفاع ضرر اليه ولا وصول نفع اليه فإن كان حكم العقل بالتحسين والتقبيح مقبولا فليكن مقبولا هاهنا وان لم يكن مقبولا لم يكن مقبولا البتة في شيء من المواضع وتبطل كلية مذهبكم فثبت ان هذا الجواب فاسد .
واما الجواب الثاني : فهو أيضا فاسد وذلك لان قولنا تكليفه يتضمن مفسدة ليس معناه ان هذا التكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة والا لزم ان تحصل هذه المفسدة ابدا في حق الكل وانه باطل بل معناه :
ان اللّه تعالى علم أنه إذا كلف هذا الشخص فان إنسانا آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحا فان اقتضى هذا القدر ان يترك اللّه تكليفه فكذلك قد علم من ذلك الكافر انه إذا كلفه فإنه يختار الكفر عند ذلك التكليف فوجب ان يترك تكليفه وذلك يوجب قبح تكليف من علم اللّه من حاله انه يكفر وان لم يجب هاهنا لم يجب هنالك واما القول بأنه يجب عليه تعالى ترك التكليف إذا علم أن غيره يختار فعلا قبيحا عند ذلك التكليف ولا يجب عليه تركه / إذا علم تعالى ان ذلك الشخص يختار القبيح عند ذلك التكليف فهذا محض التحكم
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 144
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٤