تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
عليه وهذا النوع من البحث فيه استقصاء ولا يليق ذكره بهذا الموضع وقوله تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
فيه تنبيه على دقيقة أخرى وهي ان أقل ما لا بد منه في حصول النبوة والرسالة البراءة عن المكر والغدر والغل والحسد . وقوله
لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
عين المكر والغدر والحسد فكيف يعقل حصول النبوة والرسالة مع هذه الصفات ؟ ثم بين تعالى انهم لكونهم موصوفين بهذه الصفات الذميمة سيصيبهم صغار عند اللّه وعذاب شديد وتقريره ان الثواب لا يتم الا بأمرين التعظيم والمنفعة والعقاب أيضا انما يتم بأمرين الإهانة والضرر واللّه تعالى توعدهم بمجموع هذين الأمرين في هذه الآية اما الاهابة فقوله
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ
وانما قدم ذكر الصغار على ذكر الضرر لان القوم انما تمردوا عن طاعة / محمد عليه الصلاة والسلام طلبا للعز والكرامة فاللّه تعالى بين انه يقابلهم بضد مطلوبهم فأول ما يوصل إليهم انما يوصل الصغار والذل والهوان وفي قوله
صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ
وجوه الأول إن يكون المراد ان هذا الصغار انما يحصل في الآخرة حيث لا حاكم ينفذ حكمه سواه . والثاني أنهم يصيبهم صغار بحكم اللّه وإيجابه في در الدنيا فلما كان ذلك الصغار هذا حاله جاز ان يضاف إلى عند اللّه . الثالث ان يكون المراد
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ
ثم استأنف وقال
عِنْدَ اللَّهِ
اي معد لهم ذلك والمقصود منه التأكيد الرابع أن يكون المراد صغار من عند اللّه وعلى هذا التقدير فلا بد من إضمار كلمة « من » واما بيان الضرر والعذاب فهو قوله
وَعَذابٌ شَدِيدٌ
فحصل بهذا الكلام انه تعالى أعد لهم الخزي العظيم والعذاب الشديد ثم بين ان ذلك انما يصيبهم لأجل مكرهم وكذبهم وحسدهم .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 125 ]

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 ) في الآية مسائل المسألة الأولى تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان ان الضلال والهداية من اللّه تعالى . واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا فلفظها أيضا يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة وبيانه ان العبد قادر على الايمان وقادر على الفكر فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية فيمتنع صدور الايمان عنه بدلا من الكفر أو الكفر بدلا من الايمان الا إذا حصل في القلب داعية اليه وقد بينا ذلك مرارا كثيرة في هذا الكتاب وتلك الداعية لا معنى لها الا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء وان حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل مشتملا على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى / تركه وبينا بالدليل ان حصول هذه الدواعي لا بد وان يكون من اللّه تعالى وان مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل . إذا ثبت هذا فنقول يستحيل ان يصدر الايمان عن العبد الا إذا خلق اللّه في قلبه اعتقاد ان الايمان راجح المنفعة زائد المصلحة وإذا حصل في القلب هذا الاعتقاد مال القلب وحصل في النفس رغبة شديدة في