الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
وفي قوله :
لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
دقيقة عقلية وهي ان الشيء إذا دام حصوله مع الشيء صار كالأمر الذاتي والصفة اللازمة له فإذا دام كون الكافر في ظلمات الجهل والأخلاق الذميمة صارت تلك الظلمات كالصفة الذاتية اللازمة له يعسر إزالتها عنه نعوذ باللّه من هذه الحالة وأيضا الواقف في الظلمات يبقي متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه فيستولي عليه الخوف والفزع والعجز والوقوف .
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن هذين المثلين المذكورين هل هما مخصوصات بإنسانين معينين أو عامان في كل مؤمن وكافر وفيه قولان : الأول : انه خاص بإنسانين على التعيين ثم فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس : ان أبا جهل رمى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بفرث وحمزة يومئذ لم يؤمن فأخبر حمزة بذلك عند قدومه من صيد له والقوس بيده فعمد إلى أبي جهل وتوخاه بالقوس وجعل يضرب رأسه فقال له أبو جهل : ا ما ترى ما جاء به ؟ سفه عقولنا وسب آلهتنا فقال / حمزة : أنتم أسفه الناس تعبدون الحجارة من دون اللّه اشهد ان لا اله الا اللّه وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله فنزلت هذه الآية والرواية الثانية : قال مقاتل : نزلت هذه الآية في النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وأبي جهل وذلك أنه قال : زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يوحى اليه واللّه لا نؤمن به الا ان يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت هذه الآية .
والرواية الثالثة : قال عكرمة والكلبي : نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل .
والرواية الرابعة : قال الضحاك : نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل .
والقول الثاني : ان هذه الآية عامة في حق جميع المؤمنين والكافرين وهذا هو الحق لان المعنى إذا كان حاصلا في الكل كان التخصيص محض التحكم وأيضا قد ذكرنا ان هذه السورة نزلت دفعة واحدة فالقول بأن سبب نزول هذه الآية المعينة كذا وكذا مشكل الا إذا قيل إن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : ان مراد اللّه تعالى من هذه الآية العامة فلان بعينه .
المسألة الخامسة : هذه الآية من أقوى الدلائل أيضا على أن الكفر والايمان من اللّه تعالى لان قوله :
فَأَحْيَيْناهُ
وقوله :
وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
قد بينا انه كناية عن المعرفة والهدى وذلك يدل على أن كل هذه الأمور انما تحصل من اللّه تعالى وباذنه والدلائل العقلية ساعدت على صحته وهو دليل الداعي على ما لخصناه وأيضا ان عاقلا لا يختار الجهل والكفر لنفسه فمن المحال ان يختار الإنسان جعل نفسه جاهلا كافرا فلما قصد تحصيل الايمان والمعرفة ولم يحصل ذلك وانما حصل ضده وهو الكفر والجهل علمنا أن ذلك حصل بإيجاد غيره .
فان قالوا انما اختاره لاعتقاده في ذلك الجهل انه علم .
قلنا : فحاصل هذا الكلام انه انما اختار هذا الجهل لسابقة جهل آخر فإن كان الكلام في ذلك الجهل السابق كما في المسبوق لزم الذهاب إلى غير النهاية والا فوجب الانتهاء إلى جهل يحصل فيه لإيجاده وتكوينه وهو المطلوب .