تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
تحصيله وهذا هو انشراح الصدر للايمان . فاما إذا حصل في القلب اعتقاد ان الايمان بمحمد مثلا سبب مفسدة عظيمة في الدين والدنيا ويوجب المضار الكثيرة فعند هذا يترتب على حصول هذا الاعتقاد نفرة شديدة عن الايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام وهذا هو المراد من أنه تعالى يجعل صدره ضيقا حرجا فصار تقدير الآية ان من أراد اللّه تعالى منه الايمان قوى دواعيه إلى الايمان ومن أراد اللّه منه الكفر قوى صوارفه عن الايمان وقوى دواعيه إلى الكفر ولما ثبت بالدليل العقلي ان الأمر كذلك ثبت ان لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية وإذا انطبق قاطع البرهان على صريح لفظ القرآن فليس وراءه بيان ولا برهان . قالت المعتزلة لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول بيان انه لا دلالة في هذه الآية على قولكم . المقام الثاني مقام التأويل المطابق لمذهبنا وقولنا . اما المقام الأول فتقريره من وجوه الوجه الأول أن هذه الآية ليس فيها انه تعالى أضل قوما أو يضلهم لأنه ليس فيها أكثر من أنه متى أراد ان يهدي إنسانا فعل به كيت وكيت وإذا أراد إضلاله فعل به كيت وكيت وليس في الآية انه تعالى يريد ذلك أو لا يريده . والدليل عليه انه تعالى قال
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
[ الأنبياء 17 ] فبين تعالى انه يفعل اللهو لو اراده ولا خلاف انه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله . الوجه الثاني أنه تعالى لم يقل ومن يرد ان يضله عن الإسلام بل قال
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ
فلم قلتم ان المراد ومن يرد ان يضله عن الايمان . والوجه الثالث انه تعالى بين في آخر الآية انه انما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره وانه ليس ذلك على سبيل الابتداء فقال
كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
. الوجه الرابع أن قوله
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
فهذا يشعر بان جعل الصدر ضيقا حرجا يتقدم حصوله على حصول الضلالة وان لحصول ذلك المتقدم أثرا في حصول / الضلال وذلك باطل بالإجماع . اما عندنا فلا نقول به . واما عندكم فلان المقتضي لحصول الجهل والضلال هو ان اللّه تعالى يخلقه فيه لقدرته فثبت بهذه الوجوه الأربعة ان هذه الآية لا تدل على قولكم . اما المقام الثاني وهو ان تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا فتقريره من وجوه الأول وهو الذي اختاره الجبائي ونصره القاضي فنقول تقدير الآية ومن يرد اللّه ان يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه ولا يزول عنه وتفسير هذا الشرح هو انه تعالى يفعل به الطافا تدعوه إلى البقاء على الايمان والثبات عليه وفي هذا النوع الطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن الا بعد ان يصير مؤمنا وهي بعد ان يصير الرجل مؤمنا يدعوه إلى البقاء على الايمان والثبات عليه واليه الإشارة بقوله تعالى
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ
[ التغابن 11 ] وبقوله
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت 69 ] فإذا آمن عبد وأراد اللّه ثباته فحينئذ يشرح صدره اي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الايمان ودوامه عليه فاما إذا كفر وعاند وأراد اللّه تعالى ان يضله عن طريق الجنة فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج . ثم سال الجبائي نفسه
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 138 | فخر الدين الرازي