تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
والجواب عما قالوه رابعا من أن ظاهر الآية يقتضي ان يكون ضيق الصدر وحرجه شيئا متقدما على الضلال وموجبا له . فنقول الأمر كذلك لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقادا بان الايمان بمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة فهذا الاعتقاد يوجب أعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الايمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الايمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد لان الطريق إذا كان ضيقا لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الاعتقاد امتنع دخول الايمان فيه فلأجل حصول هذه المشابهة من هذا الوجه اطلق لفظ الضيق والحرج عليه فقد سقط هذا الكلام . واما الوجه الأول من التأويلات الثلاثة التي ذكروها . فالجواب عنه ان حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفصيل الضيق والحرج باستيلاء الغم والحزن على قلب الكافر وهذا بعيد لأنه تعالى ميز الكافر عن المؤمن بهذا الضيق والحرج فلو / كان المراد منه حصول الغم والحزن في قلب الكافر لوجب ان يكون ما يحصل في قلب الكافر من الغموم والهموم والأحزان أزيد مما يحصل في قلب المؤمن زيادة يعرفها كل أحد ومعلوم انه ليس الأمر كذلك بل الأمر في حزن الكافر والمؤمن على السوية بل الحزن والبلاء في حق المؤمن أكثر . قال تعالى
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ
[ الزخرف 33 ] وقال عليه السلام : « خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل » . واما الوجه الثاني من التأويلات الثلاثة فهو أيضا مدفوع لأنه يرجع حاصله إلى إيضاح الواضحات لان كل أحد يعلم بالضرورة ان كل من هداه اللّه تعالى إلى الجنة بسبب الايمان فإنه يفرح بسبب تلك الهداية وينشرح صدره للايمان مزيد انشراح في ذلك الوقت . وكذلك القول في قوله
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ
المراد من يضله عن طريق الجنة فإنه يضيق قلبه في ذلك الوقت فان حصول هذا المعنى معلوم بالضرورة فحمل الآية عليه إخراج لهذه الآية من الفائدة . واما الوجه الثالث من الوجوه الثلاثة فهو يقتضي تفكيك نظم الآية وذلك لان الآية تقتضي ان يحصل انشراح الصدر من قبل اللّه أولا ثم يترتب عليه حصول الهداية والايمان وأنتم عكستم القضية فقلتم العبد يجعل نفسه أولا منشرح الصدر ثم إن اللّه تعالى بعد ذلك يهديه بمعنى انه يخصه بمزيد الألطاف الداعية له إلى الثبات على الايمان والدلائل اللفظية انما يمكن التمسك بها إذا أبقينا ما فيها من التركيبات والترتيبات فاما إذا أبطلناها وازلناها لم يمكن التمسك بشيء منها أصلا وفتح هذا الباب يوجب ان لا يمكن التمسك بشيء من الآيات وانه طعن في القرآن وإخراج له عن كونه حجة فهذا هو الكلام الفصل في هذه السؤالات ثم انا نختم الكلام في هذه المسألة بهذه الخاتمة القاهرة وهي انا بينا ان فعل الايمان يتوقف على أن يحصل في القلب داعية جازمة إلى فعل الايمان وفاعل تلك الداعية هو اللّه تعالى وكذلك القول في جانب الكفر ولفظ الآية منطبق على هذا المعنى لان تقدير الآية فمن يرد اللّه ان يهديه قوى في قلبه ما يدعوه إلى الايمان ومن يرد ان يضله القى في قلبه ما يصرفه عن الايمان ويدعوه إلى الكفر وقد ثبت بالبرهان العقلي ان الأمر يجب ان يكون كذلك وعلى هذا التقدير فجميع ما ذكرتموه من السؤالات ساقط واللّه تعالى اعلم بالصواب .