تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وطائفة من المتكلمين وقال أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى : ان ترك الذكر عمدا حرم وان ترك نسيانا حل وقال الشافعي رحمه اللّه تعالى : يحل متروك التسمية سواء ترك عمدا أو خطأ إذا كان أهلا للذبح وقد ذكرنا هذه المسألة على الاستقصاء في تفسير قوله :
إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
[ المائدة : 3 ] فلا فائدة في الإعادة قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : هذا النهي مخصوص بما إذا ذبح على اسم النصب ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
واجمع المسلمون على أنه لا يفسق أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية وثانيها : قوله تعالى :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
وهذه المناظرة انما كانت في مسألة الميتة روي أن ناسا من المشركين قالوا للمسلمين : ما يقتله الصقر والكلب تأكلونه وما يقتله الله فلا تأكلونه وعن ابن عباس انهم قالوا : / تأكلون ما تقتلونه ولا تأكلون ما يقتله اللّه فهذه المناظرة مخصوصة بأكل الميتة وثالثها : قوله تعالى :
وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
وهذا مخصوص بما ذبح على اسم النصب يعني لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم الهية الأوثان فقد رضيتم بإلهيتها وذلك يوجب الشرك قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : فأول الآية وان كان عاما بحسب الصيغة الا ان آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة علمنا أن المراد من ذلك العموم هو هذا الخصوص ومما يؤكد هذا المعنى هو انه تعالى قال :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
فقد صار هذا النهي مخصوصا بما إذا كان هذا الأمر فسقا ثم طلبنا في كتاب اللّه تعالى انه متى يصير فسقا ؟ فرأينا هذا الفسق مفسرا في آية أخرى وهو قوله :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
[ الانعام : 145 ] فصار الفسق في هذه الآية مفسرا بما أهل به لغير اللّه وإذا كان كذلك كان قوله :
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
مخصوصا بما أهل به لغير اللّه . والمقام الثاني : ان نترك التمسك بهذه المخصصات لكن نقول لم قلتم انه لم يوجد ذكر اللّه هاهنا ؟ والدليل عليه ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال : « ذكر اللّه مع المسلم سواء قال أو لم يقل » ويحمل هذا الذكر على ذكر القلب . والمقام الثالث : وهو ان نقول : هب ان هذا الدليل يوجب الحرمة الا ان سائر الدلائل المذكورة في هذه المسألة توجب الحل ومتى تعارضت وجب ان يكون الراجح هو الحل لان الأصل في المأكولات الحل وأيضا يدل عليه جميع العمومات المقتضية لحل الاكل والانتفاع كقوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] وقوله :
كُلُوا وَاشْرَبُوا *
[ البقرة : 60 ] لأنه مستطاب بحسب الحس فوجب ان يحل لقوله تعالى :
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ *
[ المائدة : 4 ] ولأنه مال لان الطبع يميل اليه فوجب ان لا يحرم لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم انه نهى عن إضاعة المال فهذا تقرير الكلام في هذه المسألة ومع ذلك فنقول : الأولى بالمسلم ان يحترز عنه لان ظاهر هذا النص قوي . المسألة الثانية : الضمير في قوله :
وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ
إلى ما ذا يعود ؟ فيه قولان : الأول : ان قوله :
لا تَأْكُلُوا
يدل على الاكل لان الفعل يدل على المصدر فهذا الضمير عائد إلى هذا المصدر والثاني : كأنه جعل ما لم يذكر اسم اللّه عليه في نفسه فسقا على سبيل المبالغة . واما قوله :
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ
ففيه قولان : الأول : ان المراد من الشياطين
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 131 | فخر الدين الرازي