تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
ولو اتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب ان يكون الإنسان متمكنا من قلب العداوة بالصداقة وبالضد وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا ان ذلك خارج عن الوسع ؟ قال المتنبي
يراد من القلب نسيانكم * وتأبى الطباع على الناقل
والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته . المسألة الثالثة النصب في قوله
شَياطِينَ
فيه وجهان الأول أنه منصوب على البدل من قوله
عَدُوًّا
والثاني أن يكون قوله
عَدُوًّا
منصوبا على أنه مفعول ثان والتقدير وكذلك جعلنا شياطين الانس والجن أعداء الأنبياء . المسألة الرابعة اختلفوا في معنى شياطين الانس والجن على قولين الأول أن المعنى مردة الانس والجن والشيطان كل عات متمرد من الانس والجن وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا إن من الجن شياطين ومن الانس شياطين وان الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الانس وهو شيطان الانس فاغراه بالمؤمن ليفتنه والدليل عليه ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال لأبي ذر : « هل تعوذت باللّه من شر شياطين الجن والانس ؟ » قال قلت وهل للانس من شياطين ؟ قال « نعم هم شر من شياطين الجن » . والقول الثاني أن الجميع من ولد إبليس الا انه جعل ولده قسمين فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الانس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن فالفريقان شياطين الانس والجن ومن الناس من قال القول الأول أولى لانّ المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ومنهم من يقول القول الثاني أولى لانّ لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الانس والجن والإضافة تقتضي المغايرة وعلى هذا التقدير فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس . المسألة الخامسة قال الزجاج وابن الأنباري قوله
عَدُوًّا
بمعنى أعداء وانشد ابن الأنباري
إذا انا لم انفع صديقي بوده * فإن عدوي لن يضرهمو بغضي
أراد أعدائي فادى الواحد عن الجمع وله نظائر في القرآن . ومنها قوله
ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
[ الذريات 24 ] جعل المكرمين وهو جمع نعتا للضيف وهو واحد وثانيها قوله
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ
[ ق 10 ] وثالثها قوله
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ
[ النور 31 ] ورابعها قوله
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
[ العصر 2 ] وخامسها قوله
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
[ آل عمران 93 ] أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ولقائل ان يقول لا حاجة إلى هذا التكلف فإن التقدير وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوا واحدا إذا لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد . اما قوله تعالى
يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً
فالمراد ان أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضا .