تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
إذا قلنا لا يكون كذلك الا ان يشاء اللّه فهذا يقتضي تعليق حدوث هذا الجزاء على حصول المشيئة فلو كانت المشيئة قديمة لكان الشرط قديما ويلزم من حصول الشرط حصول المشروط فيلزم كون الجزاء قديما . والحس دل على أنه محدث فوجب كون الشرط حادثا وإذا كان الشرط هو المشيئة لزم القول بكون المشيئة حادثة . هذا تقرير هذا الكلام . والجواب ان المشيئة وان كانت قديمة الا ان تعلقها باحداث ذلك المحدث في الحال إضافة حادثة وهذا القدر يكفي لصحة هذا الكلام ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
قال أصحابنا المراد يجهلون بان الكل من اللّه وبقضائه وقدره . وقال المعتزلة المراد انهم جهلوا انهم يبقون كفارا عند ظهور الآيات التي طلبوها والمعجزات التي اقترحوها وكان أكثرهم يظنون ذلك .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ]

وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) [ قوله تعالى
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
] في الآية مسائل المسألة الأولى قوله
وَكَذلِكَ
منسوق على شيء وفي تعيين ذلك الشيء قولان الأول أنه منسوق على قوله
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
[ الأنعام 108 ] اي كما فعلنا ذلك
كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا
الثاني معناه جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله
كَذلِكَ
عطفا / على معنى ما تقدم من الكلام لانّ ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء . المسألة الثانية ظاهر قوله تعالى
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا
انه تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا شك ان تلك العداوة معصية وكفر فهذا يقتضي ان خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والايمان والكفر هو اللّه تعالى أجاب الجبائي عنه بان المراد بهذا الجعل الحكم والبيان فان الرجل إذا حكم بكفر انسان قيل إنه كفره وإذا اخبر عن عدالته قيل إنه عدله فكذا هاهنا انه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال إنه جعلهم أعداء له وأجاب أبو بكر الأصم عنه بأنه تعالى لما أرسل محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القوية فلهذا التأويل قال إنه تعالى جعلهم أعداء له ونظيره قول المتنبي
فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
وأجاب الكعبي عنه بأنه تعالى امر الأنبياء بعداوتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء لانّ العداوة لا تحصل الا من الجانبين فلهذا الوجه جاز ان يقال إنه تعالى جعلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام . واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جدا لما بينا ان الأفعال مستندة إلى الدواعي وهي حادثة من قبل اللّه تعالى ومتى كان الأمر كذلك فقد صح مذهبنا . ثم هاهنا بحث آخر وهو ان العداوة والصداقة يمتنع ان تحصل باختيار الإنسان فان الرجل قد يبلغ في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة