تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
اما قوله تعالى
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ففيه مسألتان المسألة الأولى المراد من الآية انه تعالى لو اظهر جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار فإنهم لا يؤمنون الا ان يشاء اللّه ايمانهم . قال أصحابنا فلما لم يؤمنوا دل ذلك الدليل على / انه تعالى ما شاء منهم الإيمان وهذا نص في المسألة . قالت المعتزلة دل الدليل على أنه تعالى أراد الإيمان من جميع الكفار والجبائي ذكر الوجوه المشهورة التي لهم في هذه المسألة . أولها أنه تعالى لو لم يرد منهم الايمان لما وجب عليهم الايمان كما لو لم يأمرهم لم يجب عليهم . وثانيها لو أراد الكفر من الكافر لكان الكافر مطيعا للّه بفعل الكفر لانّه لا معنى للطاعة الا بفعل المراد وثالثها لو جاز من اللّه ان يريد الكفر لجاز ان يأمر به ورابعها لو جاز ان يريد منهم الكفر لجاز انه يأمرنا بان نريد منهم الكفر . قالوا فثبت بهذه الدلائل انه تعالى ما شاء الا الايمان منهم وظاهر هذه الآية يقتضي انه تعالى ما شاء الايمان منهم والتناقض بين الدلائل ممتنع فوجب التوفيق وطريقه ان نقول إنه تعالى شاء من الكل الايمان الذي يفعلونه على سبيل الاختيار وانه تعالى ما شاء منهم الايمان الحاصل على سبيل الإلجاء والقهر وبهذا الطريق زال الأشكال . واعلم أن هذا الكلام أيضا ضعيف من وجوه الأول إن الايمان الذي سموه بالإيمان الاختياري ان عنوا به ان قدرته صالحة للايمان والكفر على السوية ثم إنه يصدر عنها الايمان دون الكفر لا لداعية مرجحة ولا لإرادة مميزة فهذا قول برجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال وأيضا فبتقدير ان يكون ذلك معقولا في الجملة الا ان حصول ذلك الايمان لا يكون منه بل يكون حادثا لا لسبب ولا مؤثر أصلا لانّ الحاصل هناك ليس الا القدرة وهي بالنسبة إلى الضدين على السوية ولم يصدر من هذا القدر تخصيص لأحد الطرفين على الاخر بالوقوع والرجحان ثم إن أحد الطرفين قد حصل بنفسه فهذا لا يكون صادرا منه بل يكون صادرا لا عن سبب البتة وذلك يبطل القول بالفعل والفاعل والتأثير والمؤثر أصلا ولا يقوله عاقل واما ان يكون هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري هو ان قدرته وان كانت صالحة للضدين الا انها لا تصير مصدرا للايمان الا إذا انضم إلى تلك القدرة حصول داعية الايمان كان هذا قولا بان مصدر الايمان هو مجموع القدرة مع الداعي وذلك المجموع موجب للايمان فذلك هو عين ما يسمونه بالجبر وأنتم تنكرونه فثبت ان هذا الذي سموه بالإيمان الاختياري لم يحصل منه معنى معقول مفهوم وقد عرفت ان هذا الكلام في غاية القوة . والوجه الثاني سلمنا ان الايمان الاختياري مميز عن الايمان الحاصل بتكوين اللّه تعالى الا انا نقول قوله تعالى
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
وكذا وكذا ما كانوا ليؤمنوا معناه ما كانوا ليؤمنوا ايمانا اختياريا بدليل ان عند ظهور هذه الأشياء لا يبعد ان يؤمنوا ايمانا على سبيل الإلجاء والقهر فثبت ان قوله
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
المراد ما كانوا ليؤمنوا على سبيل الاختيار ثم استثنى / عنه فقال
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
والمستثنى يجب ان يكون من جنس المستثنى عنه والايمان الحاصل بالإلجاء والقهر ليس من جنس الايمان الاختياري فثبت انه لا يجوز ان يقال المراد بقولنا الا ان يشاء اللّه الايمان الاضطراري بل يجب ان يكون المراد منه الايمان الاختياري وحينئذ يتوجه دليل أصحابنا ويسقط عنه سؤال المعتزلة بالكلية . المسألة الثانية قال الجبائي قوله تعالى
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
يدل على حدوث مشيئة اللّه تعالى لأنها لو كانت قديمة لم يجز ان يقال ذلك كما لا يقال لا يذهب زيد إلى البصرة الا ان يوحد اللّه تعالى وتقريره انا