كتاب الاعتكاف
عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف
العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل . وعن ابن عمر قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان
متفق عليهما . ولمسلم قال نافع : وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف
فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وعن أنس قال : كان النبي صلى الله
عليه وآله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما ، فلما كان
في العام المقبل اعتكف عشرين رواه أحمد والترمذي وصححه . ولأحمد وأبي داود
وابن ماجة هذا المعنى من رواية أبي بن كعب .
هذه الأحاديث فيها دليل على مشروعية الاعتكاف وهو متفق عليه كما قال
النووي وغيره . قال مالك : فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة
اتباعهم للأثر ، فوقع في نفسي أنه كالوصال ، وأراهم تركوه لشدته ، ولم يبلغني
عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن ، انتهى . ومن كلام
مالك هذا أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز ، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي .
وقال : إنه سنة مؤكدة ، وكذا قال ابن بطال في مواظبة النبي صلى الله عليه وآله
وسلم ما يدل على تأكيده . وقال أبو داود عن أحمد : لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا
أنه مسنون ، وتعقب الحافظ في الفتح قول مالك : إنه لم يعتكف من السلف إلا أبو
بكر بن عبد الرحمن وقال : لعله أراد صفة مخصوصة ، وإلا فقد حكي عن غير واحد من
الصحابة أنه اعتكف . ( واعلم ) أنه لا خلا ف في عدم وجوب الاعتكاف إلا إذا نذر به .
قوله : يعتكف الاعتكاف في اللغة هو الحبس واللزوم والمكث والاستقامة
والاستدارة . قال العجاج :
فهن يعكفن به إذا حجا * عكف النبيط يلعبون الفنزجا
والنبيط : قوم من العجم . والفنزج بالفاء والنون والزاي والجيم لعبة للعجم يأخذ
كل واحد منهم بيد صاحبه ويستديرون راقصين . وقوله : حجا أي أقام بالمكان ،
نيل الأوطار — صفحة 354
مساهمون: الشوكاني
ص٣٥٤