وقيل : المراد من الغداة والعشى طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيها على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس .
والقول الثاني : المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم : الدعاء هاهنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار .
المسألة الخامسة : المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء للَّه تعالى بقوله
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[ الرحمن : 27 ] .
وجوابه أن قوله
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[ الإخلاص : 1 ] يقتضي الوحدانية التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنه لا بدّ من التأويل ، وهو من وجهين : الأول : قوله
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والثاني : أن من أحب ذاتا أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] .
ثم قال تعالى :
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
اختلفوا في أن الضمير في قوله
حِسابِهِمْ
وفي قوله
عَلَيْهِمْ
إلى ماذا يعود ؟
والقول الأول : أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما اللَّه هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلّهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى : لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن اللَّه تعالى هو الهادي والمدبر .
القول الثاني : أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله
فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء ، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
قولين : أحدهما : أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولا وملبوسا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال اللَّه تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند اللَّه ، فحسابهم عليه لا زم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[ الأنعام : 164 ] .
فإن قيل : أما كفى قوله
ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
حتى ضم إليه قوله
وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ
.
قلنا : جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه .
القول الثاني : ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب رزقك عليهم ، وإنما