الحكم الأول :
أن هذا النص يدل على أنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام وأنه ما كان يجتهد بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي ، ويتأكد هذا بقوله
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] .
الحكم الثاني :
ان نفاة القياس قالوا : ثبت بهذا النص انه عليه السلام ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه فوجب أن لا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه ، لقوله تعالى :
فَاتَّبِعُوهُ *
[ سبأ : 20 ] وذلك ينفي جواز العمل بالقياس ، ثم أكد هذا الكلام بقوله
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير .
ثم قال :
أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين وأن لا يكون غافلا عن معرفته ، واللَّه أعلم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 51 ]
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 )
اعلم أنه تعالى لما وصف الرسل بكونهم مبشرين ومنذرين ، أمر الرسول في هذه الآية بالإنذار فقال :
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ( الإنذار ) الأعلام بموضع المخافة وقوله
بِهِ
قال ابن عباس والزجاج بالقرآن . والدليل عليه قوله تعالى قبل هذه الآية
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
[ الأنعام : 50 ] وقال الضحاك
وَأَنْذِرْ بِهِ
أي باللَّه ، والأول أولى ، لأن الإنذار والتخويف إنما يقع بالقول وبالكلام لا بذات اللَّه تعالى .
وأما قوله
الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ
ففيه أقوال : الأول : أنهم الكافرون الذين تقدم ذكرهم ، وذلك لأنه صلى اللَّه عليه وسلم كان يخوفهم من عذاب الآخرة ، وقد كان بعضهم يتأثر من ذلك التخويف ، ويقع في قلبه أنه ربما كان الذي يقوله محمد حقا ، فثبت أن هذا الكلام لائق بهؤلاء ، لا يجوز حمله على المؤمنين لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ، لأنهم وإن تيقنوا الحشر فلم يتيقنوا العذاب الذي يخاف منه ، لتجويزهم أن يموت أحدهم على الإيمان والعمل الصالح وتجويز أن لا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السبب كانوا خائفين من الحشر ، بسبب أنهم / كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه .
والقول الثاني : أن المراد منه المؤمنون لأنهم هم الذين يقرون بصحة الحشر والنشر والبعث والقيامة فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم .
والقول الثالث : أنه يتناول الكل لأنه لا عاقل إلا وهو يخاف الحشر ، سواء قطع بحصوله أو كان شاكا فيه لأنه بالاتفاق غير معلوم البطلان بالضرورة فكان هذا الخوف قائما في حق الكل ولأنه عليه السلام كان مبعوثا