بهذا الايمان ، فصارت هذه الآية دليلا على قولنا في هذه المسألة من هذين الوجهين : أجاب الجبائي عنه ، بأن الفتنة في التكليف ما يوجب التشديد ، وإنما فعلنا ذلك ليقولوا أهؤلاء ؟ أي ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
بالإيمان ؟ وأجاب الكعبي عنه بأن قال :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
ليصبروا أو ليشكروا ، فكان عاقبة أمرهم أن قالوا
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
على ميثاق قوله
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] والجواب عن الوجهين أنه عدول عن الظاهر من غير دليل لا سيما والدليل العقلي قائم على صحة هذا الظاهر ، وذلك لأنه لما كانت مشاهدة هذه الأحوال توجب الأنفة ، والأنفة توجب العصيان والإصرار على الكفر ، وموجب الموجب موجب ، كان الإلزام واردا ، واللَّه أعلم .
المسألة الثالثة : في كيفية افتتان البعض بالبعض وجوه : الأول : أن الغنى والفقر كانا سببين لحصول هذا الافتتان كما ذكرنا في قصة نوح عليه السلام ، وكما قال في قصة قوم صالح
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ
[ الأعراف : 76 ] والثاني : ابتلاء الشريف بالوضيع . والثالث : ابتلاء الذكي بالأبله . وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة ، ولا تجتمع في / إنسان واحد البتة ، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها ، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه اللَّه من صفات الكمال .
فأما من عرف سر اللَّه تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق ، وعاش عيشا طيبا في الدنيا والآخرة ، واللَّه أعلم .
المسألة الرابعة : قال هشام بن الحكم : إنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند حدوثها ، واحتج بهذه الآية ، لأن الافتتان هو الاختبار والامتحان ، وذلك لا يصح إلا لطلب العلم وجوابه قد مر غير مرة .
ثم الجزء الثاني عشر ، ويليه إن شاء اللَّه تعالى الجزء الثالث عشر ، وأوله قوله تعالى :
وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا
من سورة الأنعام أعان اللَّه على إكماله .