الرازق لهم ولك هو اللَّه تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم .
واعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
[ الشعراء : 111 ] فأجابهم نوح عليه السلام و
قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ
[ الشعراء : 112 ، 113 ] وعنوا بقولهم
الْأَرْذَلُونَ
الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك هاهنا . وقوله
فَتَطْرُدَهُمْ
جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم ، وقوله
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
يجوز أن يكون عطفا على قوله
فَتَطْرُدَهُمْ
على وجه التسبب لأن كونه ظالما معلول طردهم ومسبب له . وأما قوله
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
ففيه قولان : الأول :
فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ
لنفسك بهذا الطرد ، الثاني : أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلما لهم ، واللَّه أعلم .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 53 ]
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 )
فيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن كل واحد مبتلى بصاحبه ، فأولئك الكفار الرؤساء الأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين في الإسلام مسارعين إلى قبوله فقالوا : لو دخلنا في الإسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين وأن نعترف لهم بالتبعية ، فكان ذلك يشق عليهم . ونظيره قوله تعالى :
أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا
[ القمر : 25 ]
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
[ الأحقاف : 11 ] وأما فقراء الصحابة فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة ، فكانوا يقولون كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء مع انا بقينا في هذه الشدة والضيق والقلة .
فقال تعالى :
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
فأحد الفريقين يرى الآخر متقدما عليه في المناصب الدينية والفريق الآخر يرى الفريق الأول متقدما عليه في المناصب الدنيوية ، فكانوا يقولون أهذا هو الذي فضله اللَّه علينا ، وأما المحققون فهم الذين يعلمون أن كل ما فعله اللَّه تعالى فهو حق وصدق وحكمة وصواب ولا اعتراض عليه ، إما بحكم المالكية على ما هو قول أصحابنا أو بحسب المصلحة على ما هو قول المعتزلة ، فكانوا صابرين في وقت البلاء ، شاكرين في وقت الآلاء والنعماء وهم الذين قال اللَّه تعالى في حقهم
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
.
المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجهين : الأول : أن قوله
وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
تصريح بأن إلقاء تلك الفتنة من اللَّه تعالى ، والمراد من تلك الفتنة ليس إلا اعتراضهم على اللَّه في أن جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين والاعتراض على اللَّه كفر وذلك يدل على أنه تعالى هو الخالق للكفر . والثاني : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا
أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا
والمراد من قوله
مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
هو أنه من عليهم بالإيمان باللَّه ومتابعة الرسول ، وذلك يدل على أن هذه المعاني إنما تحصل من اللَّه تعالى لأنه لو كان الموجد للإيمان هو العبد ، فاللَّه ما من عليه بهذا الإيمان ، بل العبد هو الذي من على نفسه