تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
المسلمين قال المنافقون : ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى / أمركم ، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم . والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح ، فادفعوا إلينا نصيبا مما وجدتم . فإن قيل : لم سمي ظفر المسلمين فتحا وظفر الكفار نصيبا ؟ قلنا : تعظيما لشأن المؤمنين واحتقارا لحظ الكافرين ، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء اللَّه ، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة . ثم قال تعالى :
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي بين المؤمنين والمنافقين : والمعنى أنه تعالى ما وضع السيف في الدنيا عن المنافقين ، بل آخر عقابهم إلى يوم القيامة . ثم قال :
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
وفيه قولان : الأول : وهو قول علي عليه السلام وابن عباس رضي اللَّه عنهما : أن المراد به في القيامة بدليل أنه عطف على قوله
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
الثاني : أن المراد به في الدنيا ولكنه مخصوص بالحجة ، والمعنى أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل ، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل . الثالث : هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل ، وللشافعي رحمه اللَّه مسائل : منها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه بدار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية ، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدا مسلما بدلالة هذه الآية ، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 142 ]

إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 142 ) قوله تعالى :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
قد مرّ تفسير الخداع في سورة البقرة في قوله
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 9 ] قال الزجاج في تفسير هذه الآية
يُخادِعُونَ اللَّهَ
أي يخادعون رسول اللَّه ، أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كما قال :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] وقوله
وَهُوَ خادِعُهُمْ
أي مجازيهم بالعقاب على خداعهم . قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : إنه تعالى خادعهم في الآخرة ، وذلك أنه تعالى يعطيهم نورا كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم وبقوا في الظلمة ، ودليله قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
[ البقرة : 17 ] . ثم قال تعالى :
وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى
يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى ، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة ، وسبب ذلك الكسل أنهم يستثقلونها / في الحال ولا يرجون بها ثوابا ولا من تركها عقابا ، فكان الداعي للترك قويا من هذه الوجوه ، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس ، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور . قال صاحب « الكشاف » : قرئ
كُسالى
بضم الكاف وفتحها جمع كسلان كسكارى في سكران .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 248 | فخر الدين الرازي