تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
واحدة ، والدبة الطريقة وهي التي تدب فيها الدواب . المسألة الرابعة : قوله
بَيْنَ ذلِكَ
أي بين الكفر والإيمان ، أو بين الكافرين والمؤمنين ، وكلمة
ذلِكَ
يشار به إلى الجماعة ، وقد تقدم تقريره في تفسير قوله
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ
[ البقرة : 68 ] وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
[ النساء : 139 ] وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان قال قتادة : معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك . المسألة الخامسة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل بإيجاد اللَّه تعالى وقالوا : إن قوله
مُذَبْذَبِينَ
يقتضي فاعلا قد ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين ، وذلك ليس باختيار العبد ، فإن الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد والحيرة ، فلو أراد أن يدفع ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلا ، ومن رجع إلى نفسه وتأمل في أحواله علم أن الأمر كما ذكرنا ، وإذا كانت تلك الذبذبة لا بدّ لها من فاعل ، وثبت أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو اللَّه تعالى ، فثبت أن الكل من اللَّه تعالى . فإن قيل : قوله تعالى :
لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
يقتضي ذمهم على ترك طريقة المؤمنين / وطريقة الكافرين ، وذلك يقتضي أنه تعالى ما ذمهم على طريقة الكفار وإنه غير جائز . قلنا : إن طريقة الكفار وإن كانت خبيثة إلا أن طريقة النفاق أخبث منها ، ولذلك فإنه تعالى ذم الكفار في أول سورة البقرة في آيتين ، وذم المنافقين في بضع عشرة آية ، وما ذاك إلا أن طريقة النفاق أخبث من طريقة الكفار ، فهو تعالى إنما ذمهم لا لأنهم تركوا الكفر ، بل لأنهم عدلوا عنه إلى ما هو أخبث منه . ثم قال تعالى :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
واحتج أصحابنا بهذه الآية على قولهم من وجهين : الأول : أن ذكر هذا الكلام عقيب قوله
مُذَبْذَبِينَ
يدل على أن تلك الذبذبة من اللَّه تعالى ، وإلا لم يتصل هذا الكلام بما قبله . والثاني : أنه تصريح بأن اللَّه تعالى أضله عن الدين . قالت المعتزلة : معنى هذا الإضلال سلب الألطاف ، أو هو عبارة عن حكم اللَّه عليه بالضلال ، أو هو عبارة عن أن اللَّه تعالى يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، وهذه الوجوه قد تكلمنا عليها مرارا .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 144 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً ( 144 ) قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
. اعلم أنه تعالى لما ذم المنافقين بأنهم مرة إلى الكفرة ومرة إلى المسلمين من غير أن يستقروا مع أحد الفريقين نهى المسلمين في هذه الآية أن يفعلوا مثل فعلهم فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
والسبب فيه أن الأنصار بالمدينة كان لهم في بني قريظة رضاع وحلف ومودة ، فقالوا لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : من نتولى ؟ فقال : المهاجرين ؟ فنزلت هذه الآية .