تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ثم قال تعالى :
يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
والمعنى أنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة ، لا لأجل الدين . فإن قيل : ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية . قلنا : إن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل ، وفي قوله
وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
وجوه : الأول : أن المراد بذكر اللَّه الصلاة ، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلا ، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا ، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس . الثاني : أن المراد بذكر اللَّه أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون اللَّه إلا قليلا ، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات ، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها . الثالث : المراد أنهم لا يذكرون اللَّه في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلا نادرا . قال صاحب « الكشاف » : وهكذا نرى كثيرا من المتظاهرين بالإسلام ، ولو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أيامه وأوقاته لا يفتر عنه . الرابع : قال قتادة إنما قيل : إلا قليلا ، لأن اللَّه تعالى لم يقبله ، وما رده اللَّه تعالى فكثيره قليل ، وما قبله اللَّه فقليله كثير ثم قال تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 143 ]

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) [ في قوله تعالى
مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ
] وفيه مسائل : المسألة الأولى : مذبذبين . إما حال من قوله
يُراؤُنَ
أو من قوله
لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
[ النساء : 142 ] ويحتمل أن يكون منصوبا على الذم . المسألة الثانية : مذبذبين : أي متحيرين ، وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين ، أي / يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير وليس في الذب ، فكان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه . واعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي ، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب ، لأن منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل ، وإذا كان الفعل تبعا للداعي ، والداعي تبعا للمقصود ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة ، وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد . أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية ، واكتساب السعادات الروحانية ، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والتبدل لا جرم كان هذا الإنسان ثابتا راسخا فلهذا المعنى وصف اللَّه تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
[ إبراهيم : 27 ] وقال
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] وقال :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
[ الفجر : 26 ] . المسألة الثالثة : قرأ ابن عباس
مُذَبْذَبِينَ
بكسر الذال الثانية ، والمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم ، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى ، وفي مصحف عبد اللَّه بن مسعود : متذبذبين ، وعن أبي جعفر : مدبدبين بالدال المهملة ، وكأن المعنى أنهم تارة يكونون في دبة وتارة في أخرى ، فلا يبقون على دبة