تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
فاعلم أن الشح هو البخل ، والمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها ، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح ، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها ، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها . ثم قال تعالى :
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
وفيه وجوه : الأول : أنه خطاب مع الأزواج ، يعني وإن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتيقنتم النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة فإن اللَّه كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيرا ، وهو يثيبكم عليه . الثاني : أنه خطاب للزوج والمرأة ، يعني وإن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم . الثالث : أنه خطاب لغيرهما ، يعني أن تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما . وحكى صاحب الكشاف : أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم ، وامرأته من أجملهم ، فنظرت إليه يوما ثم قالت : الحمد للَّه ، فقال مالك ؟ فقالت حمدت اللَّه على أني وإياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت ، ورزقت مثلك فصبرت ، وقد وعد اللَّه بالجنة عباده الشاكرين والصابرين .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 129 ]

وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) ثم قال تعالى :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ
وفيه قولان : الأول : لن تقدروا على التسوية بينهن في ميل الطباع ، وإذا لم تقدروا عليه لم تكونوا مكلفين به . قالت المعتزلة : فهذا يدل على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز الوقوع ، وقد ذكرنا أن الأشكال لا زم عليهم في العلم وفي الدواعي . الثاني : لا تستطيعون التسوية بينهن في الأقوال والأفعال لأن التفاوت في الحب يوجب التفاوت في نتائج الحب ، لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام / الصارف محال . ثم قال :
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
والمعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم ، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل . روى الشافعي رحمه اللَّه عليه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه كان يقسم ويقول : « هذا قسمي فيما أملك وأنت أعلم بما لا أملك » . ثم قال تعالى :
فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ
يعني تبقى لا أيما ولا ذات بعل ، كما أن الشيء المعلق لا يكون على الأرض ولا على السماء ، وفي قراءة أبي : فتذروها كالمسجونة ، وفي الحديث « من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل » و روي أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه بعث إلى أزواج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بمال فقالت عائشة : إلى كل أزواج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بعث عمر بمثل هذا ؟ فقالوا : لا ، بعث إلى القرشيات بمثل هذا ، وإلى غيرهن بغيره ، فقالت للرسول ارفع رأسك وقل لعمر : إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان يعدل بيننا في القسمة بماله ونفسه ، فرجع الرسول فأخبره فأتم لهن جميعا . ثم قال تعالى :
وَإِنْ تُصْلِحُوا
بالعدل في القسم
وَتَتَّقُوا
الجور
فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض . وقيل : المعنى : وإن تصلحوا ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ، وتتقوا في المستقبل عن مثله غفر اللَّه
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 237 | فخر الدين الرازي