تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
اتَّقِ اللَّهَ
[ الأحزاب : 1 ] فهذا لا يدل على أنه ما كان يتقي اللّه ، ثم قال :
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ
وهذا لا يدل على أنه أطاعهم ، والفائدة في هذا المنع أنه لما حصل ما يوجب الغم الشديد ، والغضب العظيم ، وهو مثلة عمه حمزة ، وقتل المسلمين ، والظاهر أن الغضب يحمل الإنسان على ما لا ينبغي من القول والفعل ، فلأجل أن لا تؤدي مشاهدة تلك المكاره إلى ما لا يليق من القول والفعل نص اللّه تعالى على المنع تقوية لعصمته وتأكيداً لطهارته والثاني : لعله عليه الصلاة والسلام إن فعل لكنه كان ذلك من باب ترك الأفضل والأولى ، فلا جرم أرشده اللّه إلى اختيار الأفضل والأولى ، ونظيره قوله تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
[ النحل : 126 ، 127 ] كأنه تعالى قال : إن كنت تعاقب ذلك الظالم فاكتف بالمثل ، ثم قال ثانياً : وإن تركته كان ذلك أولى ، ثم أمره أمراً جازما بتركه ، فقال :
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
. الوجه الثالث : في الجواب : لعلّه صلى اللّه عليه وسلم لما مال قلبه إلى اللعن عليهم استأذن ربه فيه ، فنص اللّه تعالى على المنع منه ، وعلى هذا التقدير لا يدل هذا النهي على القدح في العصمة . المسألة الثالثة : قوله
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
فيه قولان الأول : أن معناه ليس لك من قصة هذه الواقعة ومن شأن هذه الحادثة شيء وعلى هذا فنقل عن المفسرين عبارات أحدهما : ليس لك من مصالح عبادي شيء إلا ما أوحي إليك وثانيها : ليس لك من مسألة إهلاكهم شيء ، لأنه تعالى أعلم بالمصالح فربما تاب عليهم وثالثها : ليس لك في أن يتوب اللّه عليهم ، ولا في أن يعذبهم شيء . والقول الثاني : أن المراد هو الأمر الذي يضاد النهي ، والمعنى : ليس لك من أمر خلقي شيء إلا إذا كان على وفق أمري ، وهو كقوله
أَلا لَهُ الْحُكْمُ
[ الأنعام : 62 ] وقوله
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[ الروم : 4 ] وعلى القولين فالمقصود من الآية منعه صلى اللّه عليه وسلم من كل فعل وقول إلا ما كان بإذنه وأمره وهذا هو الإرشاد إلى أكمل درجات العبودية ، ثم اختلفوا في أن المنع من اللعن لأي معنى كان ؟ منهم من قال الحكمة فيه أنه تعالى ربما علم من حال بعض الكفار أنه يتوب ، أو إن لم يتب لكنه علم أنه سيولد منه ولد يكون مسلماً براً تقياً ، وكل من كان كذلك ، فإن اللائق برحمة اللّه تعالى أن يمهله في الدنيا وأن يصرف عنه الآفات إلى أن يتوب أو إلى أن يحصل ذلك الولد فإذا حصل دعاء الرسول عليهم بالإهلاك ، فإن قبلت دعوته فات هذا المقصود ، وإن لم تقبل دعوته كان ذلك كالاستخفاف بالرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فلأجل هذا المعنى منعه اللّه تعالى من اللعن وأمره بأن يفوض الكل إلى علم اللّه تعالى ، ومنهم من قال : المقصود منه إظهار عجز العبودية وأن لا يخوض العبد في أسرار اللّه تعالى في ملكه وملكوته ، هذا هو الأحسن عندي والأوفق لمعرفة الأصول الدالة على حقيقة الربوبية والعبودية . المسألة الرابعة : ذكر الفرّاء والزجاج وغيرهما في هذه الآية قولين أحدهما : أن قوله
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
عطف على ما قبله ، والتقدير : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، أو يكبتهم ، أو يتوب عليهم ، أو يعذبهم ، ويكون قوله
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
كالكلام الأجنبي الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه ، كما تقول : ضربت زيداً ، فاعلم ذلك عمراً ، فعلى هذا القول هذه الآية متصلة بما قبلها . والقول الثاني : أن معنى
أَوْ
هاهنا معنى حتى ، أو إلا أن كقولك : لألزمنك أو تعطيني حقي والمعنى : إلا أن