تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
تعطيني أو حتى تعطيني ، ومعنى الآية ليس ذلك من أمرهم شيء إلا أن يتوب اللّه عليهم فتفرح بحالهم ، أو يعذبهم فتتشفى منهم . المسألة الخامسة : قوله تعالى :
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى ، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي / متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد ، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة ، فلو كانت الإرادات فعلًا للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو محال ، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق اللّه تعالى وتكوينه ابتداء ، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم ، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات ، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق اللّه تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه ظاهر القرآن ، وهو قوله
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة . أما قوله تعالى :
فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام وهو أنه تعالى سماهم ظالمين ، لأن الشرك ظلم قال تعالى :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
[ لقمان : 13 ] وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً ، لأن من عصى اللّه فقد ظلم نفسه . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب الدنيا ، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة ، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى اللّه . المسألة الثالثة : قوله تعالى :
فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
جملة مستقلة ، إلا أن المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب ، والمعنى : أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 129 ]

وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 ) [ في قوله تعالى
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
] فيه مسألتان : المسألة الأولى : إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولًا من قوله
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
[ آل عمران : 128 ] والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك ، وملك السماوات والأرض وليس إلا للّه تعالى فالأمر في السماوات والأرض ليس إلا للّه ، وهذا برهان قاطع . المسألة الثانية : إنما قال :
ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
ولم يقل ( من ) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات ، فدخل فيه الكل . أما قوله
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
فاعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلهيته جميع الكفار والمردة ، وله أن يدخل النار بحكم إلهيته جميع المقربين والصدّيقين وأنه لا اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة والبرهان العقلي يؤكد ذلك أيضاً ، وذلك أن