تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
وهو الموعد ليعلم العبد أن وعده ورحمته ، غالب على وعيده وسخطه والرابع : وهو أن لفظ العباد في القرآن مختص ، قال تعالى :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[ الفرقان : 63 ] وقال تعالى :
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
[ الإنسان : 6 ] فكان المعنى أنه لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة فقال :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
أي كما هو منتقم من الفساق ، فهو رؤوف بالمطيعين والمحسنين .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 31 ]

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 31 ) اعلم أنه تعالى لما دعا القوم إلى الإيمان به ، والإيمان برسله على سبيل التهديد والوعيد ، دعاهم إلى ذلك من طريق آخر وهو أن اليهود كانوا يقولون
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] فنزلت هذه الآية ، ويروى أنه صلى اللّه عليه وسلم وقف على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال : يا معشر قريش واللّه لقد خالفتم ملة إبراهيم ، فقالت قريش : إنما نعبد هذه حباً للّه تعالى ليقربونا إلى اللّه زلفى ، فنزلت هذه الآية ، و يروى أن النصارى قالوا : إنما نعظم المسيح حباً للّه ، فنزلت هذه الآية ، وبالجملة فكل واحد من فرق العقلاء يدعي أنه يحب اللّه ، ويطلب رضاه وطاعته فقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة اللّه تعالى فكونوا منقادين لأوامره محترزين عن مخالفته ، وتقدير الكلام : أن من كان محباً للّه تعالى لا بد وأن يكون في غاية الحذر مما يوجب سخطه ، وإذا قامت الدلالة القاطعة على نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم وجبت متابعته ، فإن لم تحصل هذه المتابعة دلّ ذلك على أن تلك المحبة ما حصلت . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : أما الكلام المستقصى في المحبة ، فقد تقدم في تفسير قوله تعالى :
وَالَّذِينَ / آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
[ البقرة : 165 ] والمتكلمون مصرون على أن محبة اللّه تعالى عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله ، أو محبة طاعته ، أو محبة ثوابه ، قالوا : لأن المحبة من جنس الإرادة ، والإرادة لا تعلق لها إلا بالحوادث وإلا بالمنافع . واعلم أن هذا القول ضعيف ، وذلك لأنه لا يمكن أن يقال في كل شيء إنه إنما كان محبوباً لأجل معنى آخر وإلا لزم التسلسل والدور ، فلا بد من الانتهاء إلى شيء يكون محبوباً بالذات ، كما أنا نعلم أن اللذة محبوبة لذاتها ، فكذلك نعلم أن الكمال محبوب لذاته ، وكذلك أنا إذا سمعنا أخبار رستم وإسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما مع أنا نقطع بأنه لا فائدة لنا في ذلك الميل ، بل ربما نعتقد أن تلك المحبة معصية لا يجوز لنا أن نصر عليها ، فعلمنا أن الكمال محبوب لذاته ، كما أن اللذة محبوبة لذاتها ، وكمال الكمال للّه سبحانه وتعالى ، فكان ذلك يقتضي كونه محبوباً لذاته من ذاته ومن المقربين عنده الذين تجلى لهم أثر من آثار كماله وجلاله قال المتكلمون : وأما محبة اللّه تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدين والدنيا إليه . المسألة الثانية : القوم كانوا يدعون أنهم كانوا محبين للّه تعالى ، وكانوا يظهرون الرغبة في أن يحبهم اللّه تعالى ، والآية مشتملة على أن الإلزام من وجهين أحدهما : إن كنتم تحبون اللّه فاتبعوني ، لأن المعجزات دلّت على أنه تعالى أوجب عليكم متابعتي الثاني : إن كنتم تحبون أن يحبكم اللّه فاتبعوني لأنكم إذا اتبعتموني فقد أطعتم اللّه ، واللّه تعالى يحب كل من أطاعه ، وأيضاً فليس في متابعتي إلا أني دعوتكم إلى طاعة اللّه تعالى وتعظيمه وترك تعظيم غيره ، ومن أحب اللّه كان راغباً فيه ، لأن المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب ، والإعراض بالكلية عن غير المحبوب .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 197 | فخر الدين الرازي