الباصرة ، ولقد كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه ووجهان الأول :
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها »
والثاني :
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري »
ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم وهو قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه اللّه : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى اللّه عليه وسلم أقوى من بصرها وثانيها : القوة السامعة ، وكان صلى اللّه عليه وسلم أقوى النأي في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان أحدهما :
قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد للّه تعالى »
فسمع أطيط السماء والثاني :
أنه سمع دوياً وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ،
قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل
قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ
[ النمل : 18 ] فاللّه تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم ، وكان ذلك حاصلًا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم حين تكلم مع الذئب ومع البعير ثالثها : تقوية قوة الشم ، كما في حق يعقوب عليه السلام ، فإن يوسف عليه السلام لما أمر بحمل قميصه إليه وإلقائه على وجهه ، فلما فصلت العير قال يعقوب
إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
[ يوسف : 94 ] فأحس بها من مسيرة أيام ورابعها : تقوية قوة الذوق ، كما في حق رسولنا صلى اللّه عليه وسلم حين
قال : « إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم »
وخامسها : تقوية القوة اللامسة كما في حق الخليل حيث جعل اللّه تعالى النار برداً وسلاماً عليه ، فكيف يستبعد هذا ويشاهد مثله في السمندل والنعامة ، وأما الحواس الباطنة فمنها قوة الحفظ ، قال تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
[ الأعلى : 6 ] ومنها قوة الذكاء
قال علي عليه السلام : « علمني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألف باب من العلم واستنبطت من كل باب ألف باب »
فإذا كان حال الولي هكذا ، فكيف حال النبي صلى اللّه عليه وسلم .
وأما القوى المحركة : فمثل عروج النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المعراج ، وعروج عيسى حياً / إلى السماء ، ورفع إدريس وإلياس على ما وردت به الأخبار ، وقال اللّه تعالى :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ النمل : 40 ] .
وأما القوى الروحانية العقلية : فلا بد وأن تكون في غاية الكمال ، ونهاية الصفاء .
واعلم أن تمام الكلام في هذا الباب أن النفس القدسية النبوية مخالفة بماهيتها لسائر النفوس ، ومن لوازم تلك النفس الكمال في الذكاء ، والفطنة ، والحرية ، والاستعلاء ، والترفع عن الجسمانيات والشهوات ، فإذا كانت الروح في غاية الصفاء والشرف ، وكان البدن في غاية النقاء والطهارة كانت هذه القوى المحركة والمدركة في غاية الكمال لأنها جارية مجرى أنوار فائضة من جوهر الروح واصلة إلى البدن ، ومتى كان الفاعل والقابل في غاية الكمال كانت الآثار في غاية القوة والشرف والصفاء .
إذا عرفت هذا فقوله
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
معناه : إن اللّه تعالى اصطفى آدم إما من سكان العالم السفلي على قول من يقول : الملك أفضل من البشر ، أو من سكان العالم العلوي على قول من يقول : البشر أشرف المخلوقات ، ثم وضع كمال القوة الروحانية في شعبة معينة من أولاد آدم عليه السلام ، هم شيث وأولاده ، إلى إدريس ، ثم إلى نوح ، ثم إلى إبراهيم ، ثم حصل من إبراهيم شعبتان : إسماعيل وإسحاق ، فجعل إسماعيل مبدأ