تعالى تفضيلًا له لعظم شأنه كقوله
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] الرابع : أن العامل فيه قوله
تَوَدُّ
والمعنى :
تود كل نفس كذا وكذا في ذلك اليوم الخامس : يجوز أن يكون منتصباً بمضمر ، والتقدير : واذكر يوم تجد كل نفس .
المسألة الثانية : اعلم أن العمل لا يبقى ، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة ، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين الأول : أنه يجد صحائف الأعمال ، وهو قوله تعالى :
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الجاثية : 29 ] وقال :
فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ
[ المجادلة : 6 ] والثاني : أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى :
مُحْضَراً
يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة ، ويحتمل أن يكون المعنى : أن جزاء العمل يكون محضراً ، كقوله
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً
[ الكهف : 49 ] وعلى كلا الوجهين ، فالترغيب والترهيب حاصلان .
أما قوله :
وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال الواحدي : الأظهر أن يجعل
ما
هاهنا بمنزلة الذي ، ويكون
عَمِلَتْ
صلة لها ، ويكون معطوفاً على
ما
الأول ، ولا يجوز أن تكون
ما
شرطية ، وإلا كان يلزم أن ينصب
تَوَدُّ
أو يخفضه ، ولم يقرأه أحد إلا بالرفع ، فكان هذا دليلًا على أن
ما
هاهنا بمعنى الذي .
فإن قيل : فهل يصح أن تكون شرطية على قراءة عبد اللّه ، ودت .
قلنا : لا كلام في صحته لكن الحمل على الابتداء والخبر أوقع ، لأنه حكاية حال الكافر في ذلك اليوم ، وأكثر موافقة للقراءة المشهورة .
المسألة الثانية : الواو في قوله
وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ
فيه قولان الأول : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني :
الواو واو العطف ، والتقدير : تجد ما عملت من خير وما عملت من سوء ، وأما قوله
تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
ففيه وجهان الأول : أنه صفة للسوء ، والتقدير : وما عملت من سوء الذي تود أن يبعد ما بينها وبينه والثاني :
أن يكون حالًا ، والتقدير : يوم تجد ما عملت من سوء محضراً حال ما تود بعده عنها .
والقول الثاني : أن الواو للاستئناف ، وعلى هذا القول لا تكون الآية دليلًا على القطع بوعيد المذنبين ، وموضع الكرم واللطف هذا ، وذلك لأنه نص في جانب الثواب على كونه محضراً وأما في جانب العقاب فلم ينص على الحضور ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه ، والبعد عنه ، وذلك ينبه على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيد .
المسألة الثالثة : الأمد ، الغاية التي ينتهي إليها ، ونظيره قوله تعالى :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
[ الزخرف : 38 ] .
واعلم أن المراد من هذا التمني معلوم ، سواء حملنا لفظ الأمد على الزمان أو على المكان ، إذ المقصود تمني بعده ، ثم قال :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
وهو لتأكيد الوعيد . ثم قال :
وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
وفيه وجوه الأول :
أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه ، وعرفهم كمال علمه وقدرته ، وأنه يمهل ولا يهمل ، ورغبهم في استيجاب رحمته ، وحذرهم من استحقاق غضبه ، قال الحسن : ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه الثاني : أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي الثالث : أنه لما قال :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
وهو للوعيد أتبعه بقوله
وَاللَّهُ