من إقامة الصلاة والمراد بالصف الجنس . وفي رواية : فإن تسوية الصفوف وقد
استدل ابن حزم بذلك على وجوب التسوية قال : لأن إقامة الصلاة واجبة ، وكل شئ من
الواجب واجب ، ونازع من ادعى الاجماع على عدم الوجوب ، وروي عن عمر وبلال ما يدل على
الوجوب عندهما لأنهما كانا يضربان الاقدام على ذلك . قال في الفتح : ولا يخفى ما فيه لا سيما وقد
بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة ، يعني أنه رواها بعضهم بلفظ : من تمام الصلاة كما تقدم .
واستدل ابن بطال بما في البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ : فإن إقامة الصف من حسن
الصلاة على أن التسوية سنة ، قال : لأن حسن الشئ زيادة على تمامه ، وأورد عليه رواية : من تمام
الصلاة وأجاب ابن دقيق العيد فقال : قد يؤخذ من قوله تمام الصلاة الاستحباب ، لأن تمام الشئ
في العرف أمر خارج عن حقيقته التي لا يتحقق إلا بها ، وإن كان يطلق حسب الوضع على
ما لا تتم الحقيقة إلا به ، ورد بأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان
العربي ، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع لا العرف الحادث . قوله : تراصوا
بتشديد الصاد المهملة أي تلاصقوا بغير خلل . وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول
في الصلاة . قوله : لتسون بضم التاء المثناة من فوق وفتح السين وضم الواو وتشديد النون ،
قال البيضاوي : هذه اللام التي يتلقى بها القسم ، والقسم هنا مقدر ، ولهذا أكده بالنون
المشددة . قوله : أو ليخالفن الله بين وجوهكم أي إن لم تسووا ، والمراد بتسوية
الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد ، ويراد بها أيضا سد الخلل الذي في الصف ،
واختلف في الوعيد المذكور فقيل : هو على حقيقته ، والمراد تشويه الوجه بتحويل خلقه
عن موضعه بجعله موضع القفا أو نحو ذلك ، فهو نظير ما تقدم فيمن رفع رأسه قبل
الامام أن يجعل الله رأسه رأس حمار . وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية
وهي المخالفة . قال في الفتح : وعلى هذا فهو واجب ، والتفريط فيه حرام ، ويؤيد الوجوب
حديث أبي أمامة بلفظ : لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه أخرجه أحمد وفي
إسناده ضعف . ومنهم من حمل الوعيد المذكور على المجاز ، قال النووي : معناه يوقع بينكم
العداوة والبغضاء واختلاف القلوب ، كما تقول تغير وجه فلان أي ظهر لي من وجهه
كراهة ، لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم ، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف
البواطن ، ويؤيده رواية أبي داود بلفظ : أو ليخالفن الله بين قلوبكم وقال القرطبي :
معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجها غير الذي يأخذه صاحبه ، لأن تقدم الشخص
نيل الأوطار — صفحة 230
مساهمون: الشوكاني
ص٢٣٠