تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
المشترك بين القسمين هو الحد الفاصل بين قوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
وبين قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وتقرير هذا الكلام أن حاجة العبد إما في طلب الدنيا وهو قسمان : إما دفع الضرر ، أو جلب النفع ، وإما في طلب الآخرة ، وهو أيضاً قسمان : دفع الضرر وهو الهرب من النار ، وطلب الخير وهو طلب الجنة ، فالمجموع أربعة ، والقسم الخامس - وهو الأشرف - طلب خدمة اللّه وطاعته وعبوديته لما هو هو لا لأجل رغبة ولا لأجل رهبة ، فإن شاهدت نور اسم اللّه لم تطلب من اللّه شيئاً سوى اللّه ، وإن طالعت نور الرب طلبت منه خيرات الجنة ، وإن طالعت منه نور الرحمن طلبت منه خيرات هذه الدنيا ، وإن طالعت نور الرحيم طلبت منه أن يعصمك عن مضار الآخرة ، وإن طالعت نور مالك يوم الدين طلبت منه أن يصونك عن آفات هذه الدنيا وقبائح الأعمال فيها لئلا تقع في عذاب الآخرة . النكتة السابعة : يمكن أيضاً تنزيل هذه الأسماء الخمسة على المراتب الخمس المذكورة في الذكر المشهور وهو قوله سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم - أما قولنا سبحان اللّه فهو فاتحة سورة واحدة وهي :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] وأما قولنا الحمد للّه فهو فاتحة خمس سور ، وأما قولنا لا إله إلا اللّه فهو فاتحة سورة واحدة وهي قوله :
ألم ، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 1 ، 2 ] وأما قولنا اللّه أكبر فهو مذكور في القرآن لا بالتصريح في موضعين مضافاً إلى الذكر تارة وإلى الرضوان / أخرى فقال :
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التوبة : 72 ] وقال :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ العنكبوت : 45 ] وأما قولنا : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم فهو غير مذكور في القرآن صريحاً ، لأنه من كنوز الجنة ، والكنز يكون مخفياً ولا يكون ظاهراً ، فالأسماء الخمسة المذكورة في سورة الفاتحة مباد لهذه الأذكار الخمسة ، فقولنا : اللّه مبدأ لقولنا سبحان اللّه ، وقولنا : رب مبدأ لقولنا الحمد للّه ، وقولنا الرحمن مبدأ لقولنا لا إله إلا اللّه ، فإن قولنا : لا إله إلا اللّه إنما يليق بمن يحصل له كمال القدرة وكمال الرحمة ، وذلك هو الرحمن ، وقولنا : الرحمن مبدأ لقولنا اللّه أكبر ومعناه أنه أكبر من أن لا يرحم عباده الضعفاء ، وقولنا : مالك يوم الدين مبدأ لقولنا لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، لأن الملك والمالك هو الذي لا يقدر عبيده على أن يعملوا شيئاً على خلاف إرادته ، واللّه أعلم .

الفصل الثامن في السبب المقتضي لاشتمال بسم اللّه الرحمن الرحيم على الأسماء الثلاثة

السبب في اشتمال البسملة على الأسماء الثلاثة : وفيه وجوه : الأول : لا شك أنه تعالى يتجلى لعقول الخلق ، إلا أن لذلك التجلي ثلاث مراتب : فإنه في أول الأمر يتجلى بأفعاله وآياته ، وفي وسط الأمر يتجلى بصفاته ، وفي آخر الأمر يتجلى بذاته ، قيل إنه تعالى يتجلى لعامة عباده بأفعاله وآياته ، قال :
وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
[ الشورى : 32 ] وقال :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ
[ آل عمران : 190 ] ثم يتجلى لأوليائه بصفاته ، قال :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 243 | فخر الدين الرازي